في عالم الطهي، حيث لا تزال الكثير من الأطباق الشعبية وغير الشعبية تُعدّ بطرق تقليدية متوارثة لم تتغيّر في مكوّناتها وطرق إعدادها على مدى عقود طويلة، تفتح هواية التجريب والاستكشاف نوافذ غير مألوفة على النكهات التي لا حصر لها، ومن هنا برزت موهبة الشيف الإماراتي الشاب محمد الحوسني بوصفه أحد الوجوه الإبداعية الجديدة التي لم تكتفِ باتباع وصفات الأجداد، لكنها استجابت لنداء داخلي وشغف متَّقد، فحوَّل مطبخه إلى مجال تلاقٍ بين ثقافتين بعيدتين جغرافياً، إلا أنهما متقاربتان في جرأة النكهات.

فمن مشروب «الفيمتو» الشعبي إلى «المجبوس» الممتزج بأحلام المكسيك، قدَّم الحوسني تجربة فريدة كسرت القوالب التقليدية، لتعيد تعريف الطهي الإماراتي باعتباره فناً يتجاوز حدود المطبخ إلى فضاء ثقافي يحتفي بالإبداع والابتكار، ليصبح الطعام رسالة، والمذاق لغة، تتقاطع فيها الإمارات والمكسيك في سيمفونية من النكهات والجمال.

شرارة الشغف

لم تكن رحلة محمد الحوسني في عالم الطهي عن دراسة أكاديمية أو فصول التحق بها لتعلم فن الطهي، بل كانت وليدة شغف في داخله ورغبة في إضفاء مذاقات جديدة ومميزة للأطباق المنزلية التي اعتاد تناولها.

ورغم أن هذه التجربة في المزج بين المذاقات المختلفة كانت مجرد هواية لديه في بداياتها، إلا أنه حظي بكل التشجيع من والديه للمضي قُدماً، حتى غدا اليوم من المتميزين في هذا المجال، وليثبت حضوره من خلال المشاركة في النسخة الرابعة عشرة من مهرجان سكة للفنون والتصميم التي أقيمت مؤخراً في حي الشندغة بدبي، حيث اجتمعت الفنون بمختلف أشكالها في قلب منصة واحدة، كان فن الطهي من بين أبرزها.

وفي تجربة استثنائية، قدم الحوسني مشروبات وأكلات إماراتية بنكهات مكسيكية من خلال ما يعرف بـ«الفيوجن» أو الطبخ المُدمج الذي يجمع بين نكهات وأطباق من ثقافات مختلفة، حيث مزج ببراعة بين المطبخ الإماراتي الشعبي والمطبخ المكسيكي في خمسة أطباق مبتكرة، اشتملت على مشروب «الفيمتو» الشعبي بنكهة مكسيكية من خلال إضافة بهارات «التاهين» إليه.

كما ابتكر مقبلات تجمع بين «السمبوسة» التقليدية ونكهة «التاكيتوس» المكسيكية المغطاة بصلصة «الغواكامولي».

ولم يقتصر المزج المميز بين الأطباق عند الحوسني على المقبلات والمشروبات فحسب، بل شمل كذلك تقديم طبق «المجبوس» الإماراتي مع لحم «البيريا» المكسيكي الشهير.

فضلاً عن أن قائمة أطباقه حوت الحلويات التي جمعت بين «التشوروز» المكسيكي و«اللقيمات» الإماراتية، محلاةً بدبس الرمان والعسل وجبنة «الجامي» المحلية.

وعن سر هذا الدمج، يرى الحوسني أن الثقافتين الإماراتية والمكسيكية تتقاطعان في جوهر النكهات القوية؛ فـ«البزار» الإماراتي بحدته يقابل البهارات المكسيكية بجرأتها، ما جعل عملية المزج بينهما طبيعية ومنطقية برغم التباعد الجغرافي.

ويؤكد أن نظرة المجتمع إلى الطهي قد تغيرت جذرياً، فلم يعد الطهي يقتصر على مجرد إعداد للطعام، بل أصبح فناً يمكن استكشاف جوانب جديدة فيه، مشيراً إلى أن اهتمام المجتمع الإماراتي المتزايد بتجربة المطابخ العالمية، كالياباني والمكسيكي، يعكسان تحولاً ثقافياً يضع الطهي في مصاف الفنون الرفيعة.