الموضة مرآة للزمن، فالثوب الذي نرتديه يقول من نحن، ومن نريد أن نكون، ومن نرفض أن نكون، ففي قطعة قماش صغيرة قد تختبئ طبقة اجتماعية، واحتجاج سياسي، وذاكرة عائلية، وخوف، وتمرد، وانتماء.
لذلك، حين نقول إن الموضة “مجرد مظهر”، فإننا نظلمها. فالمظهر نفسه ليس بسيطاً، ما نلبسه هو أول نص يقرأه الآخرون عنا قبل أن نتكلم. والإنسان، منذ عرف الثياب، لم يلبس ليغطي جسده فقط، بل ليرتب علاقته بالعالم.
في مقال «كيف تعكس الموضة المجتمع؟» يذهب الكاتب إلى أن الملابس تتغير مع القيم الاجتماعية والثقافية والسياسية، فالأزياء تمشي بجوار التحولات الكبرى، أحيانًا في صمت، وأحياناً كراية مرفوعة. فحين يتغير موقع المرأة، تتغير ملابسها، وحين يشتد الصراع السياسي، تظهر الألوان والرموز. وحين تصعد طبقة اجتماعية جديدة، تصنع لنفسها زياً جديداً. وحين يخاف المجتمع، يلبس أحياناً ما يطمئنه. وحين يتمرد، يلبس ما يزعج الآخرين.
بيان سياسي
السياسة تعيش في الدول والبرلمانات والاقمشة، فيكفي أن نتذكر الأبيض الذي ارتدته نساء كثيرات في مسيرات المطالبة بحق التصويت، ثم عاد لاحقاً في لحظات سياسية معاصرة بوصفه رمزاً للحقوق النسائية، واللون هنا رسالة بصرية جمالية تطلب من العالم أن يراها.
هنا تصبح الموضة درعاً، فتتحول من شكلها الطبيعي والحقيقي لقطعة حامية. وقد يحدث الشيء نفسه في حركات كثيرة، مثل الكوفية، والقميص المطبوع بشعار، وحتى اللون الذي يختاره الناس في الشارع ليقولوا إنهم جزء من موقف.
الثوب قد يكون وطناً صغيراً، العباءة، الكندورة، الساري، الكيمونو، الثوب الفلسطيني المطرز، القفطان المغربي، الأقمشة الأفريقية المطبوعة، كلها ذاكرة تتحرك على الجسد، فحين يلبس الإنسان قطعة من ثقافته، فهو لا يلبس الماضي وحده، بل يعلن أن الماضي ما زال حياً فيه.
الموضة اقتصاد
ولا يمكن الحديث عن الموضة اليوم من دون الحديث عن الاستهلاك والبيئة. الموضة السريعة جعلت الثياب أرخص وأكثر وفرة، لكنها جعلت علاقتنا بالملابس أكثر قسوة أيضاً. فنشتري بسرعة، نمل بسرعة، نرمي بسرعة، وكأن الثوب لم يعد شيئاً نعيش معه، بل صورة نستهلكها مرة ثم نبحث عن غيرها.
هنا تدخل السياسة من باب آخر: العمالة، الأجور، سلاسل التوريد، النفايات، المياه، الكربون. الفستان الرخيص جداً له تكلفة لم تُكتب على البطاقة: يد عاملة غير مرئية، وموارد طبيعية، وجبال من الملابس المنسية. لذلك، حين يختار البعض الملابس المستعملة أو إعادة التدوير أو العلامات المستدامة، فذلك ليس ذوقاً فقط، بل موقف من اقتصاد كامل.
الموضة لم تعد تسأل: هل هذا جميل؟ فقط. بل: من صنعه؟ وبأي أجر؟ وكم مرة سنرتديه؟ وأين سيذهب بعد أن نملّ منه؟ هذه أسئلة تجعل الخزانة جزءًا من المناخ والسياسة والعمل، لا مجرد مساحة خاصة أمام المرآة.
زمن المنصات
ثم جاءت المنصات الاجتماعية وغيرت علاقة الناس باللباس، فأصبحنا نلبس للصورة. فنرى اليوم ملابس تشترى لأنها "تبدو جيدة في الكاميرا"، لا لأنها مريحة في الحياة. وهناك أزياء تولد وتموت داخل أسبوع لأن خوارزمية دفعتها ثم نستها.
لكن المنصات منحت الموضة أيضاَ ديمقراطية جديدة، فلم تعد المجلة وحدها تقرر الذوق، ولا دار الأزياء وحدها تقول لنا ما الجميل. المؤثرون، الشباب، المجتمعات الصغيرة، مصممو الهواة، والناس العاديون صاروا يصنعون اتجاهات. أصبح للشارع صوت أعلى، وللأجساد المختلفة مساحة أكبر، وللأزياء المحلية فرصة أن تظهر عالمياً.