"أنت غبي"... "ما منك فايدة"... "ليش ما تكون مثل أخوك؟"... عبارات قد تبدو  لبعض الآباء مجرد كلمات تقال في لحظة غضب، لكنها بالنسبة لطفل صغير قد تتحول إلى صوت داخلي يرافقه سنوات طويلة، ويعيد ترديدها كلما واجه تحدياً أو فشلاً أو شكك في قدراته.

فالطفل لا يسمع الكلمات فقط... بل يبني بها صورته عن نفسه. وما يعتقده والداه عنه اليوم، قد يصبح ما يؤمن به عن نفسه غداً.

وتحذر دراسات نفسية حديثة من أن الإساءة اللفظية ليست أقل خطورة من أشكال العنف الأخرى، بل قد تترك جروحاً نفسية خفية تمتد آثارها إلى مرحلة الرشد، وتنعكس على الثقة بالنفس والعلاقات الاجتماعية والصحة النفسية.

الكلمات لا تُنسى

يؤكد خبراء التربية أن الطفل قد ينسى تفاصيل الموقف الذي تعرض فيه للتوبيخ أو الإهانة، لكنه نادراً ما ينسى الشعور الذي خلفته تلك الكلمات داخله.

فبينما يعتقد بعض الآباء أن العبارات القاسية وسيلة لتقويم السلوك أو تحفيز الأبناء، تشير الأدبيات النفسية إلى أن الكلمات التي تستهدف شخصية الطفل، لا سلوكه، تهدم أكثر مما تبني.

فالفرق كبير بين أن تقول لطفلك: "هذا التصرف غير صحيح"، وأن تقول له: "أنت سيئ".

الأولى تعلمه كيف يصحح خطأه، أما الثانية فتزرع داخله شعوراً بأنه هو المشكلة.

إلى ذلك أوضحت شيخة سعيد المنصوري مدير عام مؤسسة دبي لرعاية النساء والأطفال بالإنابة، في تصريح لـ«البيان»  أن «العلاج باللعب» وسيلة قادرة على ترجمة المشاعر الدفينة والإجابة عن الأسئلة الصامتة، فمن خلاله يستطيع ضحايا العنف من الاطفال رواية تجارب مؤلمة بطريقة تعبيرية تراعي حالتهم النفسية. وذكرت المنصوري أن الاستثمار في تطوير أدوات علاجية مبتكرة مثل «العلاج باللعب» هو استثمار مباشر في مستقبل المجتمع وتماسكه، لافتة إلى إدخال هذا النهج ضمن البرامج العلاجية في المؤسسة منذ عام 2010. وقالت: «مع تزايد الوعي بأهمية الصحة النفسية للأطفال، والتطور المتسارع في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، نتوقع أن يشهد هذا المجال توسعاً أكبر في السنوات المقبلة، وأن يتطور، ويدخل في مجالات أوسع تشمل أساليب تفاعلية رقمية وأدوات مبتكرة تسهّل عملية العلاج وتوسع من نطاق تأثيره، بما يخدم احتياجات الأطفال بشكل أشمل وأكثر فعالية. ونسعى لأن تكون المؤسسة مرجعاً رائداً فيه على مستوى المنطقة.

وأكدت شيخة سعيد المنصوري، المدير العام بالإنابة في مؤسسة دبي لرعاية النساء والأطفال، أن الأسرة المتماسكة تمثل الركيزة الأساسية لاستقرار المجتمع، وأن رعاية أفرادها وتمكينهم نفسياً واجتماعياً يشكلان المدخل الحقيقي لبناء أجيال واثقة وقادرة على مواجهة التحديات.

وأوضحت أن الأسرة تبقى الملاذ الأول للطفل ومصدر الأمان الأهم في حياته، خاصة في الأوقات التي قد تكثر فيها الأخبار المقلقة أو الأحداث التي قد تثير القلق لدى الصغار، مشيرة إلى أن الكلمات المطمئنة والاهتمام العاطفي من الوالدين يمكن أن يحدثا فرقاً كبيراً في شعور الطفل بالطمأنينة والاستقرار النفسي، لا سيما في هذه الظروف الاستثنائية.

جروح لا يراها أحد

ويقول الدكتور جاسم المرزوقي، استشاري العلاج النفسي والأسري ومستشار جمعية النهضة النسائية بدبي، إن الدراسات النفسية الحديثة تؤكد أن الأذى اللفظي ليس مجرد كلمات عابرة، بل يُعد أحد أشكال الإساءة النفسية التي قد تترك آثاراً طويلة الأمد على النمو النفسي والاجتماعي للطفل.

وأضاف لـ«البيان» أن الأطفال لا يتذكرون دائماً الموقف الذي قيلت فيه العبارة المؤذية، لكنهم يحتفظون بالأثر العاطفي المرتبط بها لسنوات، موضحاً أن أكثر العبارات خطورة هي تلك التي تمس قيمة الطفل أو تشعره بأنه غير مرغوب فيه أو أقل من الآخرين.

وأشار إلى أن من أكثر العبارات التي أثبتت الدراسات ارتباطها بنتائج نفسية سلبية قول: "أنت فاشل"، "ما منك فايدة"، "ليش ما تكون مثل أخوك أو أختك؟"، "أنت سبب مشاكلنا"، "أنت غبي"، "لو ما كنت موجود كان أحسن"، أو التهديد المستمر بالهجر أو الحرمان من الحب، مثل: "إذا استمريت بها الطريقة ما أبيك"،  أو "بتركك وأمشي".

وأوضح أن هذه الرسائل لا تنتهي بانتهاء الموقف، بل تتحول مع مرور الوقت إلى معتقدات راسخة تؤثر في ثقة الطفل بنفسه وقدرته على مواجهة الحياة.

هوية الطفل

من جانبه، يؤكد الدكتور حسين المسيح، خبير قطاع التنمية والرعاية الاجتماعية، أن أخطر ما في العبارات الجارحة أنها لا تنتقد السلوك، وإنما تستهدف قيمة الطفل وهويته.

وقال إن عبارات مثل: "أنت ما تفهم"، و "كم مرة أقول لك"، أو مناداة الطفل بأسماء الحيوانات أو الصفات المهينة، وكذلك عبارات مثل "الله لا يبارك في اليوم اللي جبتك" ، أو "شوف أخوك كيف عاقل"، كلها تترك آثاراً نفسية عميقة قد ترافق الطفل حتى بعد سنوات طويلة.

وأضاف أن التربية السليمة تقوم على تصحيح الخطأ دون المساس بكرامة الطفل، موضحاً أن هناك فرقاً كبيراً بين رفض السلوك ورفض الشخص نفسه.

وأشار إلى أن الطفل الذي يسمع باستمرار أنه "فاشل" أو "غبي" يبدأ تدريجياً في تصديق هذه الرسائل، ما ينعكس على تحصيله الدراسي، وعلاقاته الاجتماعية، وصورته عن ذاته.

أرقام مقلقة

وتدعم الدراسات العلمية هذه التحذيرات، حيث كشفت دراسة منشورة في مجلة Child Abuse & Neglect ، أن العدوان اللفظي الصادر من الوالدين يرتبط بانخفاض تقدير الذات لدى الأطفال، وتراجع بعض مؤشرات التحصيل الدراسي، حتى في غياب أي عنف جسدي.

كما توصلت أبحاث أخرى إلى أن الأطفال الذين يتعرضون بصورة متكررة للإهانة أو الرفض يكونون أكثر عرضة لانخفاض الثقة بالنفس، والاضطرابات الانفعالية، وصعوبة تكوين العلاقات الاجتماعية، فضلاً عن زيادة السلوك العدواني أو الميل إلى الانسحاب الاجتماعي.

وفي واحدة من أكبر الدراسات الحديثة، والتي نُشرت عام 2025 وشملت أكثر من 20  ألف شخص بالغ، تبين أن التعرض للإساءة اللفظية في الطفولة ارتبط بزيادة خطر الإصابة بالمشكلات النفسية في مرحلة الرشد بنسبة بلغت 67%، وهي نسبة تجاوزت في بعض المؤشرات آثار الإساءة الجسدية.

حتى المديح قد يؤذي

ولا تقتصر الأخطاء التربوية على الكلمات السلبية فقط.

فخبراء التربية يحذرون أيضاً من الإفراط في المديح المرتبط بالصفات الثابتة، مثل: "أنت الأذكى دائماً" ، أنت الأفضل من الجميع."

فهذه العبارات قد تضع الطفل تحت ضغط دائم للحفاظ على الصورة المثالية، وتجعله يخشى الفشل أو ارتكاب الأخطاء.

ويُنصح بدلاً من ذلك بالإشادة بالجهد والاجتهاد، مثل: "أعجبني اجتهادك"، بذلت جهداً رائعاً"، فخور بمحاولتك"، "ماذا نقول بدلاً من ذلك؟.

وتوصي سارة مهدي تربوية، باستبدال العبارات الجارحة برسائل أكثر دعماً، منها: "أفهم أنك منزعج... لنتحدث معاً"، "الأخطاء جزء طبيعي من التعلم"، "أنا فخور بمحاولتك حتى لو لم تنجح هذه المرة"، "دعنا نفكر معاً في حل للمشكلة".

أمان وقبول واحترام

ويجمع الخبراء على أن الطفل لا يحتاج إلى والدين مثاليين، بل إلى منزل يشعر فيه بالأمان، والقبول، والاحترام، فالانفعال قد يحدث في كل بيت، لكن الفارق الحقيقي يكمن في القدرة على الاعتذار، وإصلاح العلاقة، وتجنب الكلمات التي تهدم قيمة الطفل أو تربط الحب بالنجاح والطاعة.

وتؤكد الأدبيات النفسية أن الدفء العاطفي، والحوار، واحترام مشاعر الطفل، من أهم العوامل التي تبني شخصية متوازنة وواثقة.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن الكلمات التي يسمعها الطفل من والديه تتحول مع مرور الزمن إلى صوته الداخلي... فإذا كانت كلمات تشجيع وثقة، كبر وهو يؤمن بقدراته، أما إذا كانت كلمات إهانة ومقارنة وتقليل، فقد يحمل آثارها معه إلى مراحل متقدمة من حياته، حتى وإن نسي متى قيلت أول مرة.