في أعماق المياه الساحلية قبالة موزمبيق، اكتشف العلماء نظاماً بيئياً غير مألوف يعيد إحياء غابات اندثرت قبل آلاف السنين، بعدما تحولت بقاياها المتحجرة إلى شعاب خثية مغمورة توفر المأوى والغذاء لكائنات بحرية متنوعة، بما في ذلك صغار الأسماك التي تعيش عادةً قرب الشعاب المرجانية.

وتشير دراسة نُشرت في مجلة «ساينتيفيك ريبورتس» في 12 أكتوبر 2026، إلى أن هذه التكوينات الطبيعية قد تؤدي دوراً مهماً في دعم التنوع البيولوجي، خصوصاً في المناطق التي تتراجع فيها صحة الشعاب المرجانية.

رمال متحركة

تقع الشعاب الخثية في أرخبيل بازاروتو بالمحيط الهندي الغربي، حيث تغطي الرمال المتحركة معظم قاع البحر، ما يحد من المساحات الصلبة التي تحتاج إليها الكائنات البحرية للاستقرار والاختباء.

وتعود أصول هذه التكوينات إلى غابات ومستنقعات ساحلية قديمة تراكمت بقايا نباتاتها لتشكل الخث الغني بالكربون. ومع ارتفاع مستوى البحر عبر آلاف السنين، غمرت المياه هذه الأراضي، قبل أن تكشف الأمواج طبقات الخث بإزالة الرمال التي كانت تغطيها.

ورصد الباحثون ثلاثة مواقع للشعاب الخثية، وقارنوها بشعاب مرجانية قريبة، من حيث الغطاء النباتي والكائنات اللافقارية والأسماك والحيوانات البحرية الأكبر حجماً.

شعاب خبيثة

وأظهرت النتائج أن كل موقع من الشعاب الخثية احتضن ما بين 26 و36 نوعاً من الأسماك الصغيرة، بمستويات تنوع تضاهي تلك المسجلة في الشعاب المرجانية القريبة، رغم غياب المرجان الحي تماماً عن هذه التكوينات.

كما وفرت الشقوق والحواف الصخرية الطبيعية مأوى لصغار أسماك النهاش والزمّار، إلى جانب الكركند الشوكي والمحار والبرنقيل، فيما رُصدت أسماك القرش والشفانين والسلاحف في كلا النظامين البيئيين.

وقال ماريو ليبراتو، الباحث الرئيسي في الدراسة والشريك المؤسس للمرصد العلمي لمركز بازاروتو للدراسات العلمية، إن ما كان يوماً أرضية غابة أصبح اليوم حضانة للأسماك، معرباً عن دهشته من حجم الحياة البحرية التي تدعمها هذه الترسبات القديمة.

تساؤلات

تقع الشعاب الخثية على أعماق تتراوح بين مترين وأربعة أمتار، ما يجعلها عرضة لتغيرات المد والجزر، وتقلبات درجات الحرارة، وتأثير العواصف والأعاصير المدارية.

وقد تؤدي حركة الرمال والتآكل وارتفاع مستوى البحر إلى طمر هذه التكوينات أو تفتيتها، بل واختفاء بعضها، ما يثير تساؤلات بشأن قدرتها على الاستمرار في توفير موائل للكائنات البحرية.

ويرى الباحثون أن هذه الشعاب تستحق إدراجها في خرائط الموائل الساحلية وخطط الحماية البيئية، خصوصاً أنها قد توفر ملاذات بديلة لبعض الأنواع عندما تتدهور الشعاب المرجانية.

كربون عضوي

إلى جانب أهميتها البيئية، تثير الشعاب الخثية اهتمام العلماء بسبب احتوائها على الكربون العضوي المتبقي من النباتات القديمة.

وأظهر التأريخ بالكربون المشع أن عمر عينات الخث يتراوح بين نحو 300 و5000 عام، فيما احتوت بعض العينات على كربون عضوي يصل إلى 40% من وزنها الجاف.

لكن العلماء لا يعرفون حتى الآن كمية الكربون المخزنة في هذه الشعاب، أو ما إذا كانت تحتفظ به حالياً أم تطلق جزءاً منه نتيجة التآكل والاضطرابات البيئية.

ويتطلب حسم ذلك قياس سماكة طبقات الخث وكثافتها، ومعدلات دفنها وتآكلها، وحركة غازات الاحتباس الحراري المرتبطة بها.

ويؤكد الباحثون أن فهم هذه الجوانب قد يحدد ما إذا كانت الشعاب الخثية تستحق التصنيف ضمن النظم البيئية المعروفة باسم «الكربون الأزرق»، مثل أشجار المانغروف ومروج الأعشاب البحرية.

ولا يستبعد العلماء وجود تكوينات مشابهة لم تُكتشف بعد على سواحل جنوب شرق آسيا ومنطقة الكاريبي وغرب أفريقيا، ما يجعل هذا الاكتشاف خطوة أولى نحو فهم موائل بحرية قد تسهم في حماية التنوع البيولوجي ومواجهة التغيرات الساحلية.