كشفت دراسة علمية جديدة أن تأثير الرياضة يتجاوز بكثير تقوية العضلات وتحسين اللياقة البدنية، إذ يُحدث التدريب تغيّرات جزيئية واسعة في مختلف أعضاء الجسم وخلاياه، بعضها قصير الأمد، وبعضها قد يستمر لفترات أطول، في اكتشاف قد يساعد مستقبلاً على تطوير برامج التدريب وتحسين التعافي والوقاية من الإصابات.

وأعدّ باحثون في معهد «سالْك» للدراسات البيولوجية خريطة جزيئية شاملة للتغيرات المرتبطة بالتمارين الرياضية لدى الفئران، شملت 22 نسيجاً مختلفاً، في دراسة نُشرت بمجلة «سيل» العلمية في 15 أكتوبر 2026.

وتأتي هذه النتائج في ظل أدلة متزايدة على فوائد النشاط البدني في مقاومة الأمراض واستعادة الصحة بعد الإصابة بها، إذ ربطت دراسات سابقة ممارسة الرياضة بانخفاض يتجاوز 30% في معدلات الوفيات الناجمة عن مختلف الأسباب وأمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان.

ومع ذلك، لا تزال الآليات البيولوجية التي تفسر هذه الفوائد غير مفهومة بالكامل، خصوصاً أن كثيراً من الدراسات البشرية تركز على عينات الدم والعضلات، ولا تكشف التأثيرات التي تطال بقية الأعضاء.

ولمتابعة تأثير التدريب على نطاق أوسع، قارن الباحثون بين فئران ذكور وإناث صغيرة السن مارست الجري طوعاً على عجلة لمدة ثمانية أسابيع، وأخرى بقيت خاملة دون تدريب.

وأظهرت النتائج أن التمرين غيّر نشاط ما يقرب من نصف الجينات التي فحصها الباحثون في نسيج واحد على الأقل، لكن لم يتغير نشاط أي جين في جميع الأنسجة الـ22.

ويشير ذلك إلى أن الجسم لا يستجيب للرياضة بطريقة موحدة، بل تتكيف الأنسجة المختلفة وفق وظائفها وخصائصها البيولوجية.

تقنيات متعددة

واستخدم الفريق تقنيات متعددة لتحليل نشاط الجينات، والجزيئات الصغيرة المرتبطة بعمليات الأيض، ومستويات البروتينات في أربعة أنواع من عضلات الساق، بما أتاح بناء صورة أكثر شمولاً للتغيرات التي يطلقها التدريب داخل الجسم.

وقالت جيرالدين ماير، الباحثة المشاركة في الدراسة والعالمة في معهد سالك، إن التمارين لا تغيّر العضلات وحدها، بل تؤثر في العديد من الأعضاء والخلايا وعلى مستويات مختلفة، موضحة أن تصميم الدراسة أتاح رصد هذه التغيرات عبر أنسجة متعددة ولدى الجنسين، وصولاً إلى أنواع الخلايا داخل العضلات.

عضلات هيكلية

كانت العضلات الهيكلية الأكثر استجابة من حيث التغيرات في نشاط الجينات، ما دفع الباحثين إلى دراسة ثلاثة من عضلات الساق بصورة أكثر تفصيلاً، باستخدام تقنية تسلسل الحمض النووي الريبي على مستوى النواة المفردة، التي تتيح التمييز بين أنواع الخلايا المتجاورة بدلاً من دمج استجاباتها في متوسط واحد.

كما أجرى الفريق تحليلاً على مستوى الخلية المفردة لأنماط مثيلة الحمض النووي في العضلات بعد التدريب، وهي عملية تضيف علامات كيميائية إلى الحمض النووي وتساعد على تنظيم نشاط الجينات.

وكشفت النتائج أن التدريب غيّر هذه العلامات في بعض أنواع الخلايا العضلية، بينما لم يُظهر التأثير نفسه في أنواع أخرى. وتكتسب هذه النتيجة أهمية لأن التغيرات فوق الجينية قد تكون أكثر استمراراً من بعض التبدلات في مستويات الحمض النووي الريبي أو البروتينات، ما يفتح المجال لدراسة احتمال بقاء آثار بيولوجية للتدريب بعد انتهائه.

وأكد الباحث المشارك مانوج هاريهاران أن دراسة الجسم بصورة شاملة ضرورية لفهم التأثير الحقيقي للرياضة، مشيراً إلى أن تحليل الأنسجة ككتلة واحدة قد يخفي تغيرات مهمة تحدث في أنواع محددة من الخلايا.

استجابات جينية

أظهرت الدراسة أن إناث الفئران سجلت تغيرات أوسع في نشاط الجينات وأنماطاً مختلفة عن الذكور، كما اختلفت الاستجابات فوق الجينية للتدريب بوضوح بين الجنسين.

ولم يتوقف الاختلاف عند ذلك، إذ جمع الباحثون العينات خلال مرحلتي النشاط والراحة في الدورة البيولوجية اليومية للفئران. وأظهرت معظم الأنسجة تغيرات مرتبطة بالتمرين بدرجة أكبر عند أخذ العينات خلال مرحلة النشاط، باستثناء أنسجة تحت المهاد والكلى والرئتين.

وقد تساعد هذه النتائج مستقبلاً على فهم أفضل للعوامل التي تؤثر في استجابة الجسم للتدريب، بما فيها الجنس والتوقيت البيولوجي، وربما تمهّد لتصميم برامج رياضية أكثر ملاءمة للاختلافات الفردية.

غير أن الدراسة لا تثبت حتى الآن أن تغيير توقيت التمرين أو تخصيصه وفق الجنس سيؤدي بالضرورة إلى نتائج صحية أفضل لدى البشر.

عضلات خاملة

ومن أبرز مخرجات البحث، تحديد نمط جيني يتكون من 51 جيناً، يميّز العضلات التي خضعت للتدريب عن العضلات الخاملة لدى الفئران والبشر، وفق تحليل بيانات نشاط الجينات.

وقد يمهّد هذا النمط لتطوير مؤشرات حيوية تساعد على قياس الحالة التدريبية للعضلات، ودعم الأبحاث المتعلقة بضمور العضلات الناتج عن قلة الاستخدام أو اضطراب وظائفها.

ويرى الباحثون أن الخريطة الجزيئية الجديدة توفر مرجعاً علمياً يمكن استخدامه لفهم كيفية تكيف الأنسجة السليمة مع التمارين، ثم مقارنتها بالتغيرات التي تحدث في حالات المرض أو ضعف العضلات. كما تتيح للعلماء اختيار جينات أو مسارات أيضية محددة ودراسة آلياتها بصورة أكثر عمقاً.

ومع ذلك، لا تزال أسئلة أساسية بلا إجابة، من بينها المدة اللازمة من التدريب لإحداث تغيّرات طويلة الأمد، وما إذا كانت الخلايا تحتفظ بآثار أو «ذاكرة» بيولوجية للتمرين لأشهر أو سنوات.

ويأمل الباحثون أن تتيح هذه البيانات تطوير استراتيجيات تستفيد من النشاط البدني، منفرداً أو بالتزامن مع تدخلات أخرى، لتعزيز الأداء والتعافي وصحة العضلات، ودعم التمتع بحياة أطول وأكثر صحة.