تمكن علماء في المركز الكمي للتقنيات بجامعة سنغافورة الوطنية من تطوير ساعة ذرية تعتمد على عنصر اللوتيتيوم، وحققت مستوى غير مسبوق من الدقة، في إنجاز قد يمهد الطريق لإعادة تعريف الثانية مستقبلاً، وقياس تأثير الجاذبية بدقة تصل إلى فروق ارتفاع لا تتجاوز بضعة مليمترات.

وأظهرت النتائج المنشورة في مجلة " طبيعة"،  أن الساعة استطاعت قياس تردد انتقال ذري حتى 19  منزلة عشرية، مع عدم يقين بلغ 1 × 10⁻¹⁹، وهو أدنى مستوى مُعلن عنه حتى الآن لساعة ذرية بصرية.

وقال قائد الفريق البحثي، موراي باريت، الباحث الرئيسي في المركز الكمي وأستاذ الفيزياء المشارك بجامعة سنغافورة الوطنية: «أعتقد أن ما لدينا الآن هو أدق ساعة في العالم».

تردد ثابت

تعمل الساعات الذرية من خلال الاستناد إلى انتقال محدد داخل الذرة، يحدث عندما ينتقل إلكترون من مستوى طاقة إلى آخر عند تردد ثابت ودقيق للغاية.

ويُضبط ليزر على هذا الانتقال الذري، ثم تُستخدم اهتزازات الضوء كمرجع لقياس الوقت، بطريقة تشبه اعتماد الساعة التقليدية على انتظام حركة البندول، لكن بدقة أعلى بكثير.

وفي الساعة الجديدة، اعتمد العلماء على أيون واحد مشحون كهربائياً من اللوتيتيوم-176، وربطوا انتقاله الذري بليزر يبلغ طول موجته 848 نانومتراً.

تواجه الساعات الذرية تحدياً أساسياً يتمثل في تأثير الظروف المحيطة بها؛ إذ يمكن للتغيرات في درجة الحرارة والمجالات المغناطيسية أن تغير التردد الذي تعتمد عليه الساعة في تحديد الوقت.

لكن انتقال اللوتيتيوم الذري يتمتع بمقاومة كبيرة لهذه التأثيرات، ما يمنح الساعة مرجعاً أكثر استقراراً حتى عند تغير الظروف البيئية.

القطب الجنوبي

ويشير الباحثون إلى أن هذه الخاصية قد تسمح للساعة بالحفاظ على دقتها العالية في نطاق واسع من درجات الحرارة، بدءاً من أشد المناطق حرارة على الأرض وصولاً إلى أكثر المناطق برودة في القطب الجنوبي.

واستغرق تطوير هذه التقنية أكثر من عقد، إذ بدأ الفريق دراسة اللوتيتيوم بعدما لاحظ خصائص قد تجعله مناسباً للغاية لقياس الزمن. وبعد سنوات من التجارب والهندسة الدقيقة، طور الباحثون أيضاً تقنية أطلقوا عليها اسم "المتوسط الفائق الدقة"، لتعريف الانتقال المستخدم كمرجع للساعة.

200 ساعة

وللتأكد من أداء الساعة، لم يكتفِ العلماء ببناء نموذج واحد، بل صنعوا ساعتين ذريتين من اللوتيتيوم وقارنوا أداءهما على مدار نحو 200 ساعة باستخدام تقنية تعرف باسم مطيافية الارتباط .

وكان التوافق بين الساعتين مذهلاً، إذ بلغ عدم اليقين في المقارنة 5.7 × 10⁻¹⁹، وهو مستوى وصفه الباحثون بأنه أدق مقارنة بين ساعتين ذريتين تم الإبلاغ عنها حتى الآن.

ويشير الفريق إلى أن إجراء عدد أكبر من القياسات قد يؤدي إلى خفض مستوى عدم اليقين أكثر.

الجاذبية

قد يبدو الأمر غريباً، لكن الجاذبية تؤثر في مرور الزمن، فالساعة الموجودة على ارتفاع مختلف قليلاً عن أخرى يمكن أن تدق بمعدل مختلف، ولو بفارق بالغ الصغر.

ومع وصول الساعات البصرية إلى مستوى دقة 10⁻¹⁹، يصبح بالإمكان رصد هذا التأثير عبر فروق ارتفاع لا تتجاوز بضعة مليمترات.

وقد تمكنت تجربة جامعة سنغافورة الوطنية من رصد فرق في الارتفاع يبلغ نحو 5 مليمترات بين ساعتين موجودتين على الطاولة نفسها.

ولمنع هذا الفارق من التأثير في مقارنة الساعتين، قاس الباحثون الارتفاع النسبي لأيونَي اللوتيتيوم بدقة تقل عن مليمتر واحد.

لكن هذه الحساسية الاستثنائية تمثل في الوقت نفسه تحدياً؛ إذ إن اختلاف قوة الجاذبية بين مواقع مختلفة على سطح الأرض لا يزال غير معروف بدقة كافية تسمح بفصل تأثير الجاذبية عن الفروق الحقيقية في أداء الساعات عند هذا المستوى بالغ الدقة.

منذ ستينيات القرن الماضي، اعتمد العالم على ذرات السيزيوم لتحديد الثانية، وأصبحت الساعات الذرية القائمة عليه أساساً لأنظمة مهمة مثل GPS  ومزامنة شبكات الاتصالات والنقل.

لكن الساعات الذرية البصرية الحديثة تستخدم انتقالات ذرية بترددات أعلى بكثير، ما يعني أنها تستطيع عدّ عدد أكبر من الذبذبات خلال الفترة الزمنية نفسها، وبالتالي الوصول إلى قياسات أكثر دقة.

وقد سجلت ساعات تعتمد على عناصر مثل الإيتربيوم والسترونشيوم والألومنيوم مستويات قياسية في السابق، إلا أن فريق جامعة سنغافورة الوطنية يقول إن ساعة اللوتيتيوم الجديدة تجاوزت أداء هذه النماذج في مستوى الدقة الذي حققته.

ومع استمرار تطور هذه الساعات، تدرس الجهات الدولية المسؤولة عن معايير الوقت إمكانية إعادة تعريف الثانية اعتماداً على الساعات البصرية، مع توقع اتخاذ قرار في عام 2030 أو بعده.

ساعة صغيرة قد تقيس تغيرات الأرض

لا تقتصر أهمية الإنجاز على معرفة الوقت بدقة أكبر؛ فالحساسية الشديدة للجاذبية يمكن أن تجعل هذه الساعات أدوات علمية لرصد التغيرات في المجال الجاذبي للأرض.

كما يمكن أن تساعد الدقة المتقدمة في اختبار بعض الأسئلة المفتوحة في الفيزياء الأساسية.

والخطوة التالية التي يخطط لها الفريق هي نقل هذه التقنية من المختبر إلى نظام صغير يمكن نقله من مكان إلى آخر، ما يسمح بإجراء مقارنات جديدة واختبار تطبيقات عملية خارج المختبر.

ويعتقد الباحثون أن تصغير حجم الساعة لن يؤدي بالضرورة إلى التضحية بدقتها، وهو ما قد يحولها مستقبلاً من جهاز بالغ الحساسية داخل المختبر إلى أداة يمكن استخدامها في أبحاث متعددة تتعلق بالزمن والجاذبية والفيزياء الأساسية.