لماذا قد نرى وجهًا في الظلام، أو نخلط للحظة بين برتقالة وتفاحة؟ تكشف دراسة جديدة على الفئران عن آلية محتملة يستخدمها الدماغ للتعامل مع المعلومات البصرية المتضاربة، والوصول في النهاية إلى تفسير موحد لما تراه العين.
أظهرت الدراسة، المنشورة في دورية Nature Neuroscience، أن منطقتين متجاورتين في القشرة البصرية بالدماغ تتواصلان باستمرار للمساعدة في بناء تفسير مشترك للمعلومات القادمة من العين.
وركز الباحثون على القشرة البصرية الأولية V1، المسؤولة عن معالجة المعلومات البصرية الأساسية، ومنطقة أخرى تعرف باسم LM، تشارك في مراحل لاحقة من معالجة الصورة.
عندما يتفق الدماغ.. يستمر النشاط
وجد الباحثون أن أنماط النشاط العصبي المتوافقة بين المنطقتين تستمر لفترة أطول، بينما تتلاشى الأنماط التي تحمل معلومات متعارضة خلال جزء صغير من الثانية.
وتشير النتائج إلى أن الدماغ لا يعمل ببساطة كشبكة تنقل المعلومات من منطقة إلى أخرى في اتجاه واحد، بل إن المناطق المختلفة تتبادل التأثيرات باستمرار حتى تصل إلى حالة من التوافق العصبي.
وتقول الباحثة ميترا جوادزاده، من مختبر كولد سبرينغ هاربور، إن السؤال الأوسع الذي تسعى الدراسة للإجابة عنه هو: كيف تتعاون الوحدات المتخصصة المختلفة في الدماغ لتكوين تصور متماسك للعالم من حولنا؟
تجربة تكشف «آلية التوافق»
لتتبع هذه العملية، درّب العلماء الفئران على التمييز بين نمطين بصريين مائلين بزوايا مختلفة، مع حصولها على مكافأة عند اختيار اتجاه معين.
وخلال التجربة، عطّل الباحثون مؤقتًا نشاط إحدى المنطقتين، V1 أو LM، ثم راقبوا كيفية استجابة المنطقة الأخرى عند غياب الإشارات القادمة من شريكتها.
بعد ذلك، استخدم الفريق هذه البيانات لبناء نموذج لشبكة عصبية اصطناعية تحاكي الدائرة العصبية التي تربط المنطقتين، ما سمح لهم بدراسة كيفية تأثير الروابط المتبادلة بينهما في استمرار النشاط العصبي.
وشملت القياسات نشاط 194 خلية عصبية في V1 و228 خلية في LM لدى سبعة فئران، بهدف بناء نماذج دقيقة للدوائر العصبية في المنطقتين.
وأطلق الباحثون على الآلية التي ظهرت في النماذج اسم «بناء التوافق»، حيث تساعد الاتصالات المتبادلة بين المناطق العصبية على استمرار الأنماط المتفقة والتخلص سريعًا من الأنماط المتعارضة.
مواقف
رغم أن التجربة ركزت على الرؤية لدى الفئران ولم تختبر مواقف الحياة اليومية التي قد تخدع فيها العين الإنسان، فإن الباحثين يرون أن الآلية المكتشفة قد تفتح بابًا أمام أسئلة أوسع.
فإذا كان الدماغ قادرًا على التوفيق بين المعلومات القادمة من مناطق بصرية مختلفة، فهل يستخدم آلية مشابهة عندما تتعارض الرؤية مع السمع؟.
على سبيل المثال، عندما ترى شيئًا وتسمع في الوقت نفسه صوتًا لا يتوافق معه، كيف يقرر الدماغ أي المعلومات يجب أن يعتمد عليها للوصول إلى تفسير واحد؟
من فهم الدماغ إلى الذكاء الاصطناعي
يرى الباحثون أن دراسة هذه الآلية قد تساعد مستقبلًا في فهم كيفية تكامل المناطق المتخصصة في القشرة المخية، وكيف ينجح الدماغ في إنتاج تصور موحد رغم اختلاف المعلومات التي تستقبلها مجموعات الخلايا العصبية.
وقد تحمل الفكرة أهمية أيضًا خارج علم الأعصاب؛ إذ يمكن أن تساعد المبادئ التي يستخدمها الدماغ في التوفيق بين المعلومات المتعارضة في إلهام طرق جديدة للتعامل مع البيانات المتضاربة داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وتشير الدراسة في النهاية إلى أن إدراكنا للعالم ليس مجرد انعكاس مباشر لما تلتقطه أعيننا، بل نتيجة عملية مستمرة داخل الدماغ، يجري خلالها مقارنة الإشارات العصبية وتنسيقها حتى يستقر النظام على تفسير أكثر اتساقًا لما نراه.