تمكن فريق من العلماء من التقاط تفاصيل غير مسبوقة لتفاعل كيميائي بالغ السرعة، يكشف للمرة الأولى كيف يعيد جزيء والبيئة المائية المحيطة به تنظيم نفسيهما معًا أثناء انتقال البروتون والإلكترون.
ويُعرف هذا التفاعل باسم انتقال الإلكترون المقترن بالبروتون (PCET)، وهو عملية أساسية تعتمد عليها الطبيعة في تحويل الطاقة، وتلعب دورًا مهمًا في البناء الضوئي واستقلاب الغذاء، كما ترتبط بتقنيات حديثة مثل خلايا الوقود والمحفزات الكيميائية وبطاريات التدفق.
وتكمن أهمية الدراسة في أن العلماء تمكنوا من متابعة التغيرات الإلكترونية داخل جزيء نشّط بالضوء، بالتزامن مع مراقبة الطريقة التي أعادت بها جزيئات الماء المحيطة ترتيب نفسها.
واستخدم الباحثون تقنيتين متكاملتين للأشعة السينية فائقة السرعة، إلى جانب عمليات محاكاة حاسوبية متقدمة، ما أتاح لهم ربط التغيرات التي تحدث داخل الجزيء بالتغيرات التي تطرأ على البيئة المحيطة به.
وأظهرت القياسات أن اكتساب الجزيء لبروتونًا يعيد تشكيل بنيته الإلكترونية في مواقع محددة، وفي الوقت نفسه يدفع شبكة جزيئات الماء المحيطة إلى إعادة تنظيم نفسها.
وقالت إليسا بياسين، الفيزيائية الكيميائية التجريبية في مختبر باسيفيك نورث ويست الوطني، إن الدراسة تمكنت للمرة الأولى من رصد الترابط بين التغيرات الإلكترونية الناتجة عن انتقال البروتون وإعادة تنظيم المذيب المحيط.
تحد كبير
رصد انتقال الإلكترونات والبروتونات أثناء حدوث التفاعل يمثل تحديًا كبيرًا، فالإلكترونات تتحرك بسرعة هائلة، ويمكن للبروتونات أن تتحرك في فترات زمنية بالغة القصر، بينما تعيد جزيئات الماء المحيطة ترتيب نفسها خلال نطاقات زمنية مماثلة.
وكانت التجارب السابقة قادرة على كشف بعض هذه التغيرات، لكنها لم تتمكن من متابعة التغيرات الإلكترونية داخل الجزيء وإعادة ترتيب البيئة المائية في الوقت نفسه وبدرجة كافية من الدقة.
وللتغلب على ذلك، قاد باحثون من مختبر باسيفيك نورث ويست الوطني التابع لوزارة الطاقة الأميركية، بالتعاون مع علماء من مختبر SLAC الوطني للتسارع وعدد من المؤسسات الأكاديمية، التجارب باستخدام الأشعة السينية فائقة السرعة في مصدر الضوء المتماسك الخطي (LCLS) التابع لـSLAC، ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Nature Communications.
امتصاص الضوء
اختار الفريق مركبًا جزيئيًا معروفًا قائمًا على الروثينيوم، يتميز بقدرته على امتصاص الضوء والتقاط بروتون من الوسط المحيط به في الظروف الحمضية.
وساعدت بساطة سلوك هذا المركب نسبيًا الباحثين على فصل التغيرات المرتبطة بالإلكترون والبروتون والمذيب، من دون أن تتداخل معها تحولات إلكترونية أو بنيوية إضافية قد تصعّب تفسير النتائج.
وقبل إجراء تجارب الأشعة السينية، استخدم الباحثون تقنيات تحليل زمني في جامعة جنيف لتحديد الظروف والنطاقات الزمنية الأكثر ملاءمة لرصد التفاعل.
وفي منشأة SLAC، جمع الباحثون بين تقنيتين للأشعة السينية قدمتا رؤيتين متكاملتين للتفاعل، حيث كشفت مطيافية امتصاص الأشعة السينية التغيرات الإلكترونية في مواقع محددة داخل الجزيء، بينما تتبعت تقنية تشتت الأشعة السينية معتمدًا على الزمن التغيرات البنيوية التي طرأت على الذرات داخل الجزيء وعلى شبكة المذيب المحيطة به.
وأتاح الجمع بين النتائج رسم صورة أكثر شمولًا وهي تغير إلكتروني محلي داخل الجزيء يتزامن مع إعادة تنظيم أوسع لشبكة المياه المحيطة به أثناء اكتساب البروتون.
نماذج نظرية
احتاج تفسير إشارات الأشعة السينية المعقدة إلى نماذج نظرية ومحاكاة متقدمة. واستخدم الباحثون حسابات تعتمد على نظرية الكثافة الوظيفية المعتمدة على الزمن، إلى جانب محاكاة الديناميكيات الجزيئية، لتحويل البيانات التجريبية إلى صورة واضحة لما يحدث على المستوى الجزيئي.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج تفتح نافذة جديدة لفهم كيفية تطور الجزيئات والبيئة المحيطة بها معًا أثناء التفاعلات الكيميائية الأساسية، وهو ما قد يساعد مستقبلًا في تطوير فهم أفضل لعمليات تحويل الطاقة وتصميم تقنيات أكثر كفاءة، من المحفزات وخلايا الوقود إلى أنظمة تخزين الطاقة.