لم يكن المشي البشري مجرد وسيلة للتنقل، بل ربما كان أحد العوامل التي ساعدت أسلاف الإنسان على قطع مسافات طويلة، والصيد وجمع الغذاء، والانتشار تدريجيًا في أنحاء العالم. وتكشف دراسة حديثة أن الهبوط على الكعب ثم الانتقال إلى مقدمة القدم ميّز مشية البشر عن أقرب أقاربهم من القردة العليا، رغم ما يفرضه من ضغط أكبر على العظام والمفاصل.
وأظهرت دراسة قادها باحثون من جامعة ولاية بنسلفانيا ونُشرت في مجلة Proceedings of the National Academy of Sciences، أن المشي بدءًا من الكعب يوفر الطاقة مقارنة بالهبوط على منتصف القدم.
وخلال التجارب، طُلب من متطوعين المشي بطريقة تشبه الشمبانزي، عبر الهبوط على مقدمة القدم ثم إنزال الكعب. وأظهرت النتائج أن المشي من الكعب إلى الأصابع يقلل استهلاك الطاقة بنسبة تتراوح بين 26% و41% مقارنة بهذه الطريقة البديلة.
كفاءة
ويتيح هذا الأسلوب للبشر التحرك بكفاءة أكبر وقطع مسافات أطول، وهو ما قد يكون منح أسلافهم ميزة مهمة أثناء البحث عن الطعام والصيد وجمع الثمار.
مقارنة
وقارن الباحثون طريقة المشي لدى البشر والشمبانزي، باستخدام منصات لقياس قوة الاصطدام وكاميرات عالية السرعة لرصد حركة القدمين.
وكشفت النتائج أن البشر يهبطون على الكعب بصورة منتظمة تقريبًا أثناء المشي الطبيعي، بينما يغيّر الشمبانزي موضع هبوط القدم من خطوة إلى أخرى، وغالبًا ما يلامس الأرض بجانب القدم أو مقدمتها، خصوصًا عند المشي على قدمين.
وكان نطاق زوايا هبوط القدم لدى الشمبانزي أكبر من البشر بما يتراوح بين 2.4 و8.6 مرات، ما يشير إلى اختلاف واضح في ميكانيكا الحركة بين النوعين.
رغم أن الهبوط على الكعب أكثر توفيرًا للطاقة، فإنه يؤدي إلى ارتفاع أسرع في قوة الاصطدام بالأرض. ووجد الباحثون أن معدل تحميل الصدمة كان أعلى بنسبة تصل إلى 162% لدى البشر، وبنسبة تصل إلى 138% لدى الشمبانزي عند الهبوط بالكعب، مقارنة بالهبوط على منتصف القدم.
ويرى الباحثون أن هذا الضغط ربما دفع أسلاف الإنسان إلى تطوير تكيفات تشريحية، مثل زيادة سماكة عظام الكعب وكِبَر مفاصل الركبة والكاحل، للتعامل مع القوى الناتجة عن المشي المتكرر لمسافات طويلة.
أنماط متنوعة
ويعتقد الباحثون أن أسلاف البشر الأوائل ربما استخدموا أنماطًا متنوعة من هبوط القدم، قبل أن تتطور المشية المنتظمة من الكعب إلى الأصابع، التي أتاحت لهم توفير الطاقة والسفر لمسافات أطول بحثًا عن الغذاء.
وقد تكون هذه القدرة على التحرك بكفاءة عاملًا ساعد البشر لاحقًا على توسيع نطاق انتشارهم الجغرافي، خصوصًا أن استراتيجيات الصيد وجمع الطعام كانت تتطلب قطع مسافات طويلة يوميًا.
ومع ذلك، يحذر الباحثون من أن المشي على الأسطح الصلبة والمعبدة في البيئات الحديثة قد يغيّر التوازن الذي تطورت عليه أجسام الإنسان، وهو موضوع يحتاج إلى مزيد من البحث. ويؤكدون في الوقت نفسه أن المشي يظل نشاطًا صحيًا مهمًا، وأن جسم الإنسان تطور للتعامل مع القوى الناتجة عنه.
الخلاصة: قد تبدو طريقة هبوط القدم أثناء المشي تفصيلًا بسيطًا، لكنها ربما لعبت دورًا جوهريًا في تعزيز قدرة البشر على توفير الطاقة، والتنقل لمسافات بعيدة، والوصول إلى مصادر الغذاء التي ساعدتهم في نهاية المطاف على الانتشار في أنحاء العالم.