لماذا تبدو قطعة الأثاث التي قمنا بتركيبها بأنفسنا أكثر قيمة من قطعة جاهزة؟ ولماذا يمنحنا إصلاح شيء بسيط في المنزل شعوراً بالفخر والإنجاز؟ الإجابة لا ترتبط فقط بالنتيجة النهائية، بل بالجهد والوقت والذكريات التي نضعها في العمل، وهو ما يعرفه علماء النفس باسم "تأثير إيكيا "، وهي الظاهرة التي تفسر ارتباط الإنسان العاطفي بالأشياء التي يشارك في صنعها.
ورغم أن مشاريع "أصنعها بنفسك" تبدو كأنها ظاهرة حديثة مرتبطة بثقافة تحسين المنازل، فإن جذورها تعود إلى قرون مضت، إذ قدم الكاتب البريطاني جوزيف موكسون في القرن السابع عشر كتابه الشهير "التمارين الميكانيكية" ، الذي يعد من أقدم الأمثلة على تعليم الأفراد كيفية إنجاز أعمال مختلفة بأنفسهم، مثل النجارة والحدادة وصناعة الخرائط.
أسلوب حياة
لكن ثقافة العمل اليدوي شهدت انتشاراً واسعاً خلال خمسينيات القرن الماضي، مع تراجع ساعات العمل وارتفاع عدد ملاك المنازل، لتتحول تدريجياً إلى أسلوب حياة يجمع بين توفير المال، واكتساب المهارات، وتحقيق شعور شخصي بالإنجاز.
وفي الفترة نفسها تقريباً، بدأت الشركة السويدية IKEA في ترسيخ نموذج جديد في عالم الأثاث، عندما اعتمدت فكرة بيع المنتجات مفككة ومعبأة بطريقة مسطحة لتقليل تكاليف النقل وحمايتها من التلف، على أن يقوم العميل بتجميعها بنفسه في المنزل.
ورغم أن مهمة تركيب أثاث إيكيا قد تكون تحدياً مزعجاً للبعض، فإن دراسة علمية نشرت عام 2012 كشفت جانباً نفسياً مثيراً، إذ وجد الباحثون أن الأشخاص الذين قاموا بتجميع قطع الأثاث بأنفسهم قدّروا قيمتها بدرجة أعلى مقارنة بقطع مطابقة لم يشاركوا في صناعتها.
كفاءة ونجاح
ومن هنا ظهر مصطلح "تأثير إيكيا"، بعد الدراسة التي حملت عنوان " عندما يقود العمل إلى الحب"، والتي أوضحت أن بذل الجهد في صناعة شيء ما يجعل الإنسان أكثر ارتباطاً به، لأنه يمنحه إحساساً بالقدرة والكفاءة والنجاح.
بمعنى آخر، لا يرى الإنسان المنتج فقط، بل يرى الوقت والجهد والتحدي الذي خاضه للوصول إليه.
هذا بالإضافة إلى الجانب النفسي، حيث أصبح توفير المال أحد أهم دوافع انتشار مشاريع «اصنعها بنفسك»، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف الصيانة والتجديد المنزلي.
وتشير بيانات متخصصة إلى أن نحو 81% من أصحاب المنازل اختاروا تنفيذ بعض أعمال تحسين المنازل بأنفسهم خلال السنوات الأخيرة، فيما أكد 62% منهم أن السبب الرئيسي هو تقليل النفقات.
ومع ارتفاع أسعار مواد البناء والتجديد، أصبحت الاستعانة بالمتخصصين مكلفة بشكل متزايد، إذ قد تمثل أجور العمال وحدها نسبة كبيرة من التكلفة الإجمالية للمشروع، ما يدفع الكثيرين إلى تعلم مهارات جديدة وتنفيذ الأعمال البسيطة بأنفسهم.
كما يمنح العمل الذاتي أصحاب المنازل فرصة لاستثمار الأموال التي كانوا سيدفعونها مقابل العمالة في شراء مواد ذات جودة أعلى، وتحسين تفاصيل المشروع بما يتناسب مع ذوقهم واحتياجاتهم.
أنظمة معقدة
لكن الخبراء يؤكدون أن بعض الأعمال لا ينبغي تنفيذها دون خبرة، خصوصاً المهام التي تتعلق بالكهرباء أو الإنشاءات أو الأنظمة المعقدة، لما قد تحمله من مخاطر.
الصحة النفسية
تكشف الدراسات أن فوائد العمل اليدوي لا تقتصر على الجانب المادي، بل تمتد إلى الصحة النفسية، إذ يمكن لمشاريع المنزل أن تساعد على خفض مستويات التوتر والقلق.
فالانشغال بمهمة تتطلب التركيز والتخطيط يمنح العقل فرصة للابتعاد عن الضغوط اليومية، مثل القلق المالي أو ضغوط العمل، ويحول الانتباه إلى هدف واضح وملموس يمكن تحقيقه.
كما أن استخدام الأدوات، وتحريك اليدين، وبذل الجهد البدني أثناء تنفيذ المشروع، كلها عوامل تساعد على تحسين المزاج، إذ يؤدي النشاط البدني إلى إفراز هرمونات مثل الإندورفين المرتبطة بالشعور بالسعادة والراحة.
ولا يحتاج الأمر إلى مشاريع ضخمة للحصول على هذه الفوائد، فقد يكون إصلاح قطعة أثاث قديمة، أو إعادة ترتيب مساحة في المنزل، أو تنفيذ ديكور بسيط، كافياً لمنح الشخص شعوراً بالإنجاز.
ويكشف «تأثير إيكيا» أن قيمة الأشياء لا ترتبط دائماً بسعرها أو شكلها الخارجي، بل بالقصة التي تحملها والجهد الذي بذلناه من أجلها.
فقطعة الأثاث التي ركبناها بأنفسنا، أو المشروع الذي أنجزناه بأيدينا، يتحول من مجرد شيء مادي إلى ذكرى مرتبطة بالنجاح والتعلم والثقة بالنفس.
ولهذا ربما لا يكون سر حبنا لمشاريع «افعلها بنفسك» في النتيجة فقط… بل في الشعور بأننا صنعنا شيئاً يحمل بصمتنا الخاصة.