كشفت دراسة علمية جديدة عن تأثيرات مقلقة لأحد المبيدات الزراعية الشائعة على النحل الطنان، بعدما تبين أنه يُحدث تغيرات جينية قد تؤثر في قدرته على التكاثر، ما يهدد مستقبلاً عملية التلقيح التي تعتمد عليها نسبة كبيرة من المحاصيل الغذائية حول العالم.

وتوصل باحثون من معهد جورجيا للتكنولوجيا في الولايات المتحدة إلى أن التعرض لجرعات منخفضة من مبيد "سولفوكسافلور" المستخدم على نطاق واسع لمكافحة الآفات الزراعية مثل حشرات المن التي تصيب الذرة وفول الصويا، يؤدي إلى اضطرابات في النشاط الجيني للنحل، لا سيما في الأنسجة المرتبطة بالتكاثر.

ويؤكد العلماء أن كل ثمرة فاكهة أو خضراوات أو محصول بذري تقريباً يدين بشيء من وجوده للنحل، الذي يؤدي دوراً محورياً في تلقيح النباتات وضمان استمرار إنتاج الغذاء.

لكن المفارقة تكمن في أن الأدوات المستخدمة لحماية المحاصيل من الآفات قد تتحول في بعض الأحيان إلى تهديد مباشر لهذه الحشرات الأساسية في المنظومة الزراعية.

وخلال الدراسة، قام الباحثون بتعريض مجموعات من النحل الطنان لجرعات منخفضة من المبيد، ثم جمّدوا أنسجتها بسرعة وحللوا الحمض النووي الريبي (RNA) لرصد التغيرات في نشاط الجينات.

وأظهرت النتائج أن المبايض كانت الأكثر تأثراً، إذ سجلت أكبر تغيرات في التعبير الجيني، وهو ما قد يؤدي إلى انخفاض معدلات التكاثر وتراجع أعداد النحل على المدى الطويل.

وقال البروفيسور مايكل جوديسمان، أستاذ العلوم البيولوجية والمشارك في الدراسة:

«تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها تربط بين التغيرات الجزيئية داخل الخلايا والنتائج الفعلية على حياة النحل ومستقبل مستعمراته، وهو أمر نادر في الأبحاث العلمية».

وأشارت الباحثة سارة أور، التي قادت الدراسة، إلى أن الزراعة الحديثة تواجه تحدياً كبيراً يتمثل في تحقيق التوازن بين مكافحة الآفات وحماية الحشرات النافعة.

وقالت: "نحن بحاجة إلى المبيدات لحماية المحاصيل، لكن هذه المواد قد تُلحق الضرر أيضاً بالنحل الطنان وغيره من الحشرات الضرورية لإنتاج الغذاء. هدفنا هو إيجاد حلول عملية تضمن إدارة فعالة للآفات دون المساس بالكائنات التي تعتمد عليها أنظمتنا الغذائية».

انخفاض

ويحذر العلماء من أن تراجع قدرة النحل على التكاثر لا يعني فقط انخفاض أعداده، بل قد ينعكس مباشرة على إنتاج الغذاء العالمي.

وأضافت أور: «نحتاج إلى أعداد كبيرة من النحل لإنجاز عملية التلقيح بنجاح، وإذا لم تنتج المستعمرات أعداداً كافية من النحل الجديد، فإن معدلات التلقيح ستتراجع تدريجياً».

تحدي

ولا تُعد المبيدات التحدي الوحيد الذي يواجه النحل الطنان؛ إذ تتزايد أيضاً آثار ارتفاع درجات الحرارة وموجات الحر الشديدة، ما يضيف ضغوطاً جديدة على هذه الحشرات الحيوية.

ويرى الباحثون أن فهم التأثيرات البيولوجية لمبيدات مثل «سولفوكسافلور» سيساعد في تطوير استراتيجيات زراعية أكثر استدامة، تحمي المحاصيل الزراعية من جهة، وتحافظ على الملقحات التي يعتمد عليها الأمن الغذائي العالمي من جهة أخرى.

ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Ecotoxicology and Environmental Safety، لتضيف دليلاً جديداً على أن صحة النحل لم تعد قضية بيئية فحسب، بل أصبحت قضية ترتبط مباشرة بمستقبل الغذاء على كوكب الأرض.