لأكثر من أربعة عقود، اعتقد علماء الفلك أن قمر نبتون الغامض «نيريد» ليس سوى جسم فضائي جرى التقاطه من حزام كويبر البعيد، لكن دراسة جديدة مدعومة ببيانات من تلسكوب جيمس ويب الفضائي قلبت هذه الفرضية رأساً على عقب، مشيرة إلى احتمال مذهل: أن يكون هذا القمر واحداً من الأقمار الأصلية لنبتون، وربما الناجي الأخير من نظام قمري اندثر بالكامل.
وتعود جذور هذا التغيير العلمي إلى تحليل حديث لخصائص سطح نيريد الطيفية، إلى جانب محاكاة رقمية لتاريخ نبتون المبكر. وتشير النتائج إلى أن المدار الغريب للقمر ليس دليلاً على أنه “غريب دخيل”، بل قد يكون أثراً لاضطراب جاذبي هائل وقع في الماضي السحيق للنظام الشمسي الخارجي.
منذ اكتشافه عام 1949، ظل نيريد لغزاً حقيقياً في محيط نبتون، فبينما تتميز معظم الأقمار بمدارات شبه دائرية ومنتظمة، يتحرك نيريد في مدار شديد الاستطالة يستغرق نحو 360 يوماً لإكمال دورة واحدة حول الكوكب، ما دفع العلماء طويلاً لاعتباره جسماً تم “التقاطه” من أطراف النظام الشمسي.
لكن البيانات الجديدة التي جمعها التلسكوب الفضائي كشفت اختلافاً لافتاً في تركيب سطحه مقارنة بأجسام أخرى يُعتقد أنها التقطت من حزام كويبر. فبينما تُظهر أقمار مماثلة بصمات كيميائية متقاربة، بدا نيريد غنياً بالماء ومختلفاً طيفياً عن أقمار مثل «فويب» التابعة لزحل، والتي تُعد مثالاً كلاسيكياً على الأجسام الملتقطة.
ويؤكد الباحثون في الدراسة المنشورة في مجلة علمية مرموقة أن هذا الاختلاف “لا يتماشى مع سيناريو الالتقاط خلال فوضى النظام الشمسي المبكر”، ما يضعف الفرضية القديمة بشكل كبير.
حزام كويبر
التحليل لم يتوقف عند القمر نفسه، بل امتد إلى أكبر أقمار نبتون، «تريتون»، الذي يدور بعكس اتجاه دوران الكوكب، وهي إشارة قوية إلى أنه جاء من مكان آخر، على الأرجح من حزام كويبر.
وتشير النماذج الحاسوبية إلى أن دخول تريتون إلى نظام نبتون لم يكن حدثاً هادئاً، بل كارثة جاذبية هائلة أدت إلى اضطراب شامل في الأقمار الموجودة آنذاك، حيث اصطدم بعضها ببعض، وطُرد بعضها إلى الفضاء، بينما تفتتت بقايا أخرى لتشكّل حلقات كوكبية وأجساماً صغيرة.
وفي هذا السيناريو العنيف، تبيّن أن أحد الأقمار الأصلية قد يُقذف إلى مدار جديد بعيد ومطوّل ومائل بشكل حاد، وهو ما يشبه تماماً المسار الحالي لنيريد.
في محاكاة علمية متكررة، وجد الباحثون أن هذا السيناريو يتكرر في نحو 20% من النماذج: قمر أصلي يتم دفعه إلى مدار غريب لكنه مستقر نسبياً، ليصبح في النهاية جسماً شبيهاً بنيريد.
نظام قمري
وبناءً على ذلك، يرجّح العلماء أن القمر ليس وافداً من الخارج، بل بقايا “نظام قمري أولي” لنبتون اندثر بفعل الاصطدامات والهجرات المدارية العنيفة، بينما نجا نيريد كأثر وحيد من تلك الحقبة المفقودة.
إذا تأكد هذا التفسير، فإن نيريد لن يكون مجرد قمر شاذ المدار، بل شاهداً حيّاً على واحدة من أكثر الفترات اضطراباً في تاريخ النظام الشمسي الخارجي، وقطعة مفقودة من قصة كونية بدأت قبل مليارات السنين.