في الوقت الذي تحتاج فيه الأجهزة المنزلية البسيطة، مثل أفران الميكروويف، إلى كميات كبيرة نسبياً من الكهرباء لتشغيلها، يعمل أحد أكثر المشاريع العلمية تعقيداً في تاريخ البشرية بطاقة لا تتجاوز نحو كيلوواط واحد فقط.
إنه تلسكوب جيمس ويب الفضائي، المرصد الفضائي الذي أحدث ثورة في فهم الكون وكشف تفاصيل غير مسبوقة عن المجرات البعيدة والنجوم والكواكب، ورغم القدرات الهائلة التي يمتلكها التلسكوب، فإن استهلاكه المحدود للطاقة يثير دهشة العلماء والمتابعين على حد سواء، خصوصاً أنه يعمل على بعد نحو 1.5 مليون كيلومتر من الأرض في بيئة فضائية شديدة القسوة.
سر الكفاءة
ويكمن أحد أسرار كفاءة «جيمس ويب» في اعتماده على ما يُعرف بالتبريد السلبي، بدلاً من أنظمة التبريد التقليدية التي تحتاج إلى طاقة كبيرة، حيث يستخدم التلسكوب درعاً شمسياً عملاقاً متعدد الطبقات، بحجم ملعب تنس تقريباً، لحجب الحرارة القادمة من الشمس والأرض والقمر. وبفضل هذا التصميم الهندسي المتطور، يتمكن من الحفاظ على درجات حرارة شديدة الانخفاض دون الحاجة إلى تشغيل أنظمة تبريد كثيفة الاستهلاك للطاقة.
وبمجرد نشر الدرع الشمسي بالكامل بعد الإطلاق، يعمل بشكل مستمر وفعال مع استهلاك محدود جداً للطاقة، ما يجعل التشغيل اليومي للتلسكوب أكثر كفاءة مما قد يتخيله كثيرون.
أنظمة ذكية
ولا يقتصر توفير الطاقة على نظام التبريد فقط، إذ صُممت جميع الأنظمة الحيوية في التلسكوب لتعمل بأعلى درجات الكفاءة، فأجهزة الاتصالات، وأجهزة التحكم بالملاحة، والحواسيب الداخلية، وأدوات الرصد العلمية، وأنظمة إدارة الحرارة، جميعها تستهلك كميات محدودة من الكهرباء، ما يسمح لها بالعمل في الوقت نفسه أثناء تنفيذ المهمات العلمية وجمع البيانات وإرسالها إلى الأرض.
وتُعد هذه الكفاءة عاملاً أساسياً في نجاح المهمة، نظراً إلى بُعد التلسكوب الهائل عن الأرض وصعوبة إجراء أي عمليات صيانة مباشرة له.
قوة هائلة
ورغم أن تشغيل «جيمس ويب» يتطلب طاقة متواضعة حالياً، فإن وصوله إلى الفضاء كان قصة مختلفة تماماً،
حيث أُطلق التلسكوب على متن الصاروخ الأوروبي الثقيل أريان 5، الذي يولد قوة دفع هائلة تمكنه من حمل الحمولات الضخمة إلى الفضاء، فيما اعتمد الصاروخ على معززات قوية وفرت معظم القوة اللازمة لعملية الإقلاع والانطلاق خارج الغلاف الجوي للأرض.
وبعد الوصول إلى الفضاء، بدأت واحدة من أكثر العمليات الهندسية تعقيداً في تاريخ استكشاف الفضاء، حيث انتقل التلسكوب من وضعية الإطلاق المدمجة إلى مرصد فضائي متكامل عبر سلسلة دقيقة من عمليات الفتح والنشر استمرت أياماً عدة، شملت فرد الدرع الشمسي العملاق وتثبيت المكونات العلمية في مواقعها التشغيلية.
ويعمل «جيمس ويب» في ظروف قاسية للغاية، حيث تنخفض درجات الحرارة في بعض أجزائه إلى مستويات شديدة البرودة تتجاوز 220 درجة مئوية تحت الصفر تقريباً، وللتعامل مع هذه البيئة، صُممت مكوناته وهياكله الهندسية لتحافظ على الثبات والدقة لفترات طويلة، مع القدرة على تنفيذ المهام العلمية بشكل شبه مستقل وإرسال البيانات والصور إلى الأرض بشكل متواصل.
أسرار الكون
ومنذ بدء عملياته العلمية، نجح التلسكوب في التقاط صور غير مسبوقة لأعماق الكون، ورصد مجرات تشكلت بعد فترة قصيرة من الانفجار العظيم، ودراسة أغلفة كواكب خارج المجموعة الشمسية، إلى جانب تقديم رؤى جديدة حول نشأة النجوم والأنظمة الكوكبية.
ويبرهن «جيمس ويب» أن الإنجازات العلمية الكبرى لا تعتمد دائماً على استهلاك طاقة هائل، بل على التصميم الذكي والكفاءة الهندسية. فبينما يعمل بطاقة أقل من كثير من الأجهزة المنزلية، يواصل هذا المرصد العملاق توسيع حدود المعرفة البشرية وكشف أسرار الكون التي ظلت مجهولة لمليارات السنين.