تشغل فيديو واتس آب أو في تيك توك وانستغرام لتجد صانع محتوى يريد إسداء نصيحة. فلا يتحدث أبداً، لكنه يشير بإصبعه السبابة فوق رأسه لتظهر النصيحة على شكل نصوص على الشاشة (Captions).

أو يظهر لك فيديو لصانع محتوى يقارن بين أغنيتين، واحدة قديمة والأخرى حديثة ليثبت لك أن الحديثة استعارت اللحن من القديمة ويفتح فيديوهين فوق رأسه على الشاشة ويشير بأصبعه السبابة الأيمن نحو الفيديو في الزاوية اليمين أو يشير بالسبابة الأيسر إلى الفيديو في الزاوية اليسار فوق رأسه مع ابتسامة تشبه ابتسامة شخص اكتشف اختراعاً جديداً أو مستكشف وجد جزيرة غير موجودة على الخرائط.

أو آخر يشغل فيديو في المساحة فوق رأسه ويقول استمعوا إليه ثم يوقفه ليرد عليه.

في المرة الأولى التي رأى كاتب الموضوع فيها هذا المشهد، ظن أنه واحد من أكثر الأشياء إثارة للسخرية والسطحية التي صادفها على وسائل التواصل الاجتماعي.

وبعد سنوات، أصبح هذا السلوك في كل مكان.

لم يكن «الإصبع المؤشر» من اختراع تطبيق «تيك توك»، ولا يبدو أن هناك صانع محتوى بعينه يستطيع ادعاء الفضل في ابتكاره؛ إذ يمكن تتبع جذوره وأصوله للوراء، على الأقل إلى منصة «Musical.ly»—منصة الفيديوهات القصيرة التي انطلقت عام 2014 وشكّلت النواة التي اندمجت لاحقاً لتصبح «تيك توك».

في عام 2017، درست الباحثة الإعلامية «جيل والكر ريتبرغ» حركات الأيدي المعقدة التي كان يستخدمها صنّاع المحتوى على منصة Musical.ly. ووصفتها حينها بأنها «لغة إشارية» ناشئة؛ حيث كان المؤدون يكررون استخدام إشارات يد معروفة للتعبير بصرياً عن الكلمات والأفكار الواردة في الأغاني التي يطابقون حركات أفواههم معها (Lip-syncing).

فرض تطبيق Musical.ly قيداً مثيراً للاهتمام؛ إذ اعتمدت مقاطع مطابقة الشفاه المبكرة بشكل كبير على الصوت والأداء المسبق التسجيل، مما دفع صنّاع المحتوى إلى تطوير هذه الإيماءات لإضافة طبقة أخرى من المعنى.

ثم جاء تطبيق «تيك توك»، وتلته فيديوهات «إنستغرام ريلز» و«يوتيوب شورتس»، لتعثر تلك الإيماءة على شريكها المثالي: النص (كابشنز).

وهنا، أصبحت حركة الإشارة بالإصبع مفيدة بشكل مفاجئ.

بات بإمكان صانع المحتوى وضع خمس معلومات مختلفة حول جسده، وتوجيه المشاهدين نحوها واحدة تلو الأخرى.

وقد نجح هذا الأسلوب بشكل لافت على الشاشات العمودية الصغيرة؛ إذ أظهرت البحوث المتعلقة بأسباب انتشار الفيديوهات (Virality) على تيك توك أن النص المكتوب، وزاوية الرؤية، والتأطير القريب أو المتوسط، تُعد من بين الخصائص البصرية الرئيسية المرتبطة بنجاح مقاطع الفيديو القصيرة.

لكن المنفعة والجدوى لا تجعلان الإيماءة أقل غرابة

تأمل فيما يحدث بالفعل:

في الحياة الطبيعية، للإشارة بالإصبع وظيفة عملية ملموسة؛ فنحن نشير لأن شخصاً لا يعرف مكان شيء معين.

«أنظر إلى ذلك المبنى».

«سيارتك هناك».

«لقد ذهب من هذا الاتجاه».

غير أن الإشارة بالإصبع على وسائل التواصل الاجتماعي تعكس هذا المنطق تماماً؛ إذ يشير صانع المحتوى نحو شيء لا وجود له مادياً أثناء التصوير.

فالكلمات تُضاف في مرحلة المونتاج. وبالتالي، يقف المؤدي في الغرفة ويشير بحماس وشدة نحو الفراغ!

تخيل شخصاً يتصرف بهذه الطريقة أثناء محادثة طبيعية:

يريد أن يشرح لك خمسة أسباب تجعلك تمارس الرياضة، وبدلاً من أن يخبرك بها ببساطة، يقف صامتاً ويشير بتكرار إلى مساحات فارغة مختلفة حول رأسه!

ستسأله على الأرجح عما إذا كان بخير!

أما على «إنستغرام»، فيبدو المشهد طبيعياً تماماً.

وربما يكون هذا التطبيع وتجاوز الغرابة هو الإرث الأكثر أهمية وتأثيراً لهذه الظاهرة.

إنها تحركات وأداء لا نلجأ إليها لأن التواصل البشري يتطلبها طبيعياً، بل لأن المنصة الرقمية هي من تفرضها.

ولذا، فإن الإصبع المؤشر يمثل شيئاً أكبر وأعمق من مجرد نمط مستهلك ومزعج على وسائل التواصل الاجتماعي.

فعلى مدار قرون طويلة، ابتكر البشر تقنيات تتكيف وتتلاءم مع أجسادنا.

أما الآن، فقد بدأت أجسادنا هي التي تتكيف وتتلاءم مع واجهات الشاشات.

والنتيجة في بعض الأحيان هي بالغٌ ذكي بكامل قواه العقلية، يقف أمام الكاميرا، يبتسم بحماس، ويشير نحو لا شيء على الإطلاق.