نجح فريق من العلماء في الاقتراب من حل أحد أكثر الألغاز الجيولوجية غموضًا، بعد تقديم تفسير جديد لكيفية تشكل أكبر هضبة محيطية على كوكب الأرض، وهي كتلة بركانية هائلة مدفونة تحت مياه المحيط الهادئ، ظل أصلها محيرًا للباحثين لعقود.

وكشف باحثون من معهد بحر الصين الجنوبي لعلوم المحيطات التابع للأكاديمية الصينية للعلوم أن الهضبة المعروفة باسم هضبة أونتونغ جافا (Ontong Java Plateau) ربما تشكلت بفعل عمود وشاح حراري-كيميائي صاعد من أعماق الأرض، وهو تفسير جديد قد يغير فهم العلماء لآلية تشكل بعض أكبر البنى الجيولوجية على سطح الكوكب.

مساحة هائلة

وتُعد هضبة أونتونغ جافا أكبر هضبة محيطية معروفة على الأرض، إذ تمتد على مساحة هائلة تحت غرب المحيط الهادئ، وتضم كميات ضخمة من الصخور البركانية، بينما تتميز بقشرة أرضية أكثر سماكة بكثير من قاع المحيط المحيط بها.

ورغم حجمها الهائل الذي يضاهي مساحة قارة صغيرة، فإنها بقيت مغمورة تحت سطح البحر، وهو ما شكل مفارقة علمية أربكت الجيولوجيين لسنوات طويلة.

لغز تحدّى النظريات التقليدية

وكانت النظرية السائدة تفترض أن تشكل هذه الهضبة نتج عن عمود وشاح ساخن صاعد من أعماق الأرض، وهي عملية يفترض أن تؤدي إلى ارتفاع كبير في سطح القشرة الأرضية قبل حدوث الثورانات البركانية.

لكن الأدلة الجيولوجية أظهرت أن معظم الهضبة تكونت تحت سطح البحر، من دون حدوث هذا الارتفاع المتوقع، وهو ما جعل النظرية التقليدية عاجزة عن تفسير الظاهرة بالكامل.

نماذج ديناميكية

واعتمد الباحثون في دراستهم على نماذج ديناميكية حرارية متقدمة لمحاكاة السيناريوهات المختلفة التي يمكن أن تفسر نشأة الهضبة.

وأظهرت النتائج أن السبب الأكثر ترجيحًا هو وجود عمود وشاح حراري-كيميائي، أي كتلة من الصخور المنصهرة ترتفع من أعماق الأرض، لا تتميز فقط بارتفاع حرارتها، بل أيضًا بتركيبها الكيميائي المختلف عن الصخور المحيطة.

ويعتقد العلماء أن هذا الاختلاف الكيميائي سمح بتوليد كميات هائلة من الصهارة البركانية، دون أن يؤدي ذلك إلى رفع الهضبة فوق مستوى سطح البحر، وهو ما يفسر طبيعتها المغمورة.

مناطق بركانية

تُعرف الهضاب المحيطية بأنها مناطق بركانية عملاقة تقع في أعماق البحار، تتميز بقاع مرتفع نسبيًا وقشرة أرضية سميكة بشكل استثنائي.

وتنشأ هذه الهضاب خلال فترات قصيرة جيولوجيًا، لكنها تشهد نشاطًا بركانيًا هائلًا يطلق كميات ضخمة من الحمم البركانية.

ولأن معظمها يقع تحت الماء، فإنها تبقى بعيدة عن عوامل التعرية والتجوية التي تمحو كثيرًا من معالم البراكين الموجودة على اليابسة، ما يجعلها سجلات طبيعية مهمة لفهم تاريخ الأرض.

تنافس بين نظريتين

ولسنوات، انقسم العلماء بين تفسيرين رئيسيين لتكوين هذه الهضاب.

الأول يعتمد على أعمدة الوشاح العميقة، التي ترتفع ببطء من أعماق الأرض حتى تصل إلى أسفل الصفائح التكتونية، فتذيب الصخور وتولد كميات ضخمة من الصهارة.

أما التفسير الثاني، فيربط نشأتها بفترات شهدت تسارعًا غير اعتيادي في اتساع قاع المحيط، حيث يؤدي انخفاض الضغط إلى انصهار الصخور وتكوين مقاطعات بركانية واسعة.

إلا أن أياً من هاتين النظريتين لم ينجح في تفسير الحجم الهائل والتركيب الجيولوجي الفريد لهضبة أونتونغ جافا.

نتائج جديدة

ويرى الباحثون أن النتائج الجديدة لا تقتصر على تفسير نشأة أكبر هضبة محيطية في العالم، بل قد تسهم أيضًا في إعادة رسم فهم العلماء لديناميكية وشاح الأرض، وكيفية انتقال الحرارة والمواد من أعماق الكوكب إلى سطحه.

كما قد تساعد هذه النتائج في تفسير نشأة هضاب محيطية أخرى حول العالم، وتقديم رؤية أوضح للتاريخ البركاني للأرض، الذي لعب دورًا محوريًا في تشكيل القارات والمحيطات كما نعرفها اليوم.