رصد باحثون من جامعة هونغ كونغ دلائل تشير إلى أن المياه ربما ظلت موجودة على سطح المريخ خلال فترة أحدث مما كان يُعتقد سابقاً، في اكتشاف قد يعيد رسم صورة التاريخ المناخي للكوكب الأحمر.
وأظهر تحليل جديد لبيانات المسبار الصيني «جوجرونغ» تراكيب بلورية غير مألوفة، يعتقد العلماء أنها تشكلت في وجود مياه مالحة راكدة، وذلك وفق دراسة حديثة نُشرت في مجلة «نيتشر».
وتتركز هذه التراكيب في منطقة «يوتوبيا» الواقعة في نصف الكرة الشمالي للمريخ، حيث يقدر عمر السطح بنحو 757 مليون سنة، أي أنه أحدث بكثير من المناطق التي يركز العلماء عادة على البحث فيها عن آثار المسطحات المائية القديمة.
ووصل «جوجرونغ» إلى المريخ في مايو 2021، وعمل على سطح الكوكب 93 يوماً، تمكن خلالها من تصوير صخور مسطحة بارزة ذات لون فاتح، وجمع بيانات عن تركيبها المعدني.
وأعاد فريق بحثي بقيادة العالم جيا تشينغ ليو تحليل هذه القياسات، مع التركيز بصورة خاصة على تراكيب بلورية دقيقة ظهرت أسفل أسطح الصخور. واتخذ بعضها أشكالاً تشبه أوراق الكرنب الملفوفة، بينما بدا بعضها الآخر شبيهاً بأشجار عيد الميلاد الصغيرة.
وباستخدام الليزر ومقياس طيف بالأشعة تحت الحمراء، خلص الباحثون إلى أن هذه التراكيب قد تكون مكونة من السيلينيت، وهو شكل خشن التبلور من معدن الجبس. وعلى الأرض، تتشكل هذه البلورات عندما يترسب المعدن من محاليل شديدة الملوحة والتركيز.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة، إذ تشير فرضية الباحثين إلى أن التراكيب المكتشفة لم تتشكل نتيجة تعرض عابر للرطوبة، وإنما تطلب تكوّنها وجود كمية كبيرة نسبياً من المياه المالحة على السطح.
وقدّر الباحثون سماكة الطبقة المعدنية، وحسبوا كمية المياه اللازمة لتكوينها، فوجدوا أنها تعادل حجماً مائياً يتراوح، وفق تقديراتهم، بين ما يمكن أن يغطي مسطحاً مائياً بعمق 6.25 و25 متراً. ولا يعني ذلك بالضرورة وجود بحيرة واحدة بهذا العمق، وإنما يعكس الحجم التقريبي للمياه التي يُعتقد أنها شاركت في تكوين الرواسب المعدنية المكتشفة.
ولا يزال مصدر هذه المياه غير محسوم. ويرجح العلماء احتمال أن تكون مياه جوفية مالحة وصلت إلى السطح بفعل النشاط البركاني. ووفق هذه الفرضية، ربما أدت الحرارة الناجمة عن النشاط البركاني إلى تحريك المحاليل الملحية نحو السطح، قبل أن تتجمد المياه تدريجياً، فيما ارتفع تركيز الأملاح الذائبة فيها.
وتكمن أهمية الاكتشاف في عمر السطح الذي عُثر فيه على هذه التراكيب. فإذا صحت قراءة الباحثين، فإن المريخ شهد وجود مياه سائلة على سطحه قبل نحو 757 مليون سنة، وهي فترة متأخرة كثيراً مقارنة بالمرحلة التي كان يُعتقد أنها شهدت آخر وجود مستقر للمياه السطحية على الكوكب.
وكان التصور السائد يشير إلى أن العصر الأكثر نشاطاً للمياه السائلة المستقرة على سطح المريخ انتهى قبل نحو 3 مليارات سنة، قبل أن تتجمد معظم المياه المتبقية تحت السطح أو تتبدد تدريجياً في الفضاء.
ولا تقدم البيانات الجديدة دليلاً على وجود بحيرة كبيرة ودائمة في منطقة يوتوبيا خلال تلك الفترة، لكنها تفتح احتمالاً مهماً: أن يكون المريخ قد شهد، في مرحلة أحدث بكثير مما كان متوقعاً، فترات عابرة تمكنت خلالها المياه السائلة من التجمع على سطحه عندما توافرت الظروف الملائمة.