اختارت دبي في سياق بناء نموذجها التنموي أن تتحول في الصيف إلى مسرح ثقافي مفتوح؛ فمع انطلاق موسم «مفاجآت صيف دبي»، الذي يستمر حتى 30 أغسطس الجاري، لا تكتفي الإمارة بإطلاق عروض التسوق والخصومات، بل تقدم نموذجاً لمدينة تتحول بأكملها إلى فضاء ثقافي وترفيهي، تتداخل فيه الفنون مع الحياة اليومية، وتصبح الثقافة جزءاً من تجربة الزائر والمقيم على حد سواء.
ولعل أبرز ما يميز هذا الموسم أن الثقافة لا تبقى محصورة داخل المسارح أو قاعات العرض والمتاحف، بل تنتقل إلى مراكز التسوق، والساحات العامة، والوجهات الترفيهية، حيث يلتقي الجمهور بعروض موسيقية، وفنون أداء، وورش إبداعية، وتجارب تفاعلية، صُممت لتكون جزءاً من يومه، لا مناسبة استثنائية معزولة عنه.
يعكس هذا التحول مفهوماً حديثاً للعمل الثقافي، يقوم على الوصول إلى الجمهور أينما كان، بدل انتظار حضوره إلى المؤسسات الثقافية؛ فالمراكز التجارية، التي يقصدها الناس للتسوق أو الترفيه، تتحول خلال الصيف إلى منصات، تستضيف الفنانين والموسيقيين والحرفيين، وتقدم أنشطة للأطفال والعائلات، ومنها على سبيل المثال المخيم الصيفي في دبي مول، الذي يستمر حتى 27 أغسطس.
هذا النموذج يسهم في توسيع قاعدة الجمهور، ويمنح الفنون فرصة للوصول إلى شرائح قد لا تكون من رواد المسارح أو المعارض الفنية، وهو ما يعزز حضور الثقافة في المجتمع بوصفها تجربة معيشة، لا نشاطاً نخبوياً.
منصة للإبداع
في دبي لا يُنظر إلى الفعاليات الصيفية باعتبارها برامج ترفيهية فحسب، بل باعتبارها جزءاً من منظومة الاقتصاد الإبداعي، الذي يقوم على دعم الصناعات الثقافية، وتشجيع المواهب، وخلق فرص للفنانين والمبدعين، إلى جانب تنشيط قطاعات السياحة والضيافة والتجزئة.
وتتجلى هذه الرؤية في التنوع الكبير للأنشطة، التي تجمع بين الموسيقى، والعروض المسرحية، والفنون البصرية، والأنشطة التعليمية، والفعاليات العائلية، بما يعكس صورة مدينة تستثمر في الإبداع بوصفه مورداً اقتصادياً وثقافياً في آن واحد.
خصوصية دبي تكمن أيضاً في طبيعتها العالمية؛ فالمدينة التي يعيش فيها أشخاص من مئات الجنسيات، تقدم خلال الصيف برامج تعكس هذا التنوع، حيث تتجاور الفنون الإماراتية مع العروض العالمية، وتلتقي الموسيقى الشرقية بالغربية، وتجد الثقافات المختلفة مساحة للتعبير عن نفسها أمام جمهور متعدد الخلفيات.
ولا يعني هذا التنوع ذوبان الهوية المحلية، بل على العكس، يتيح لها فرصة أكبر للحضور والتعريف بها في سياق عالمي، من خلال إبراز عناصر التراث الإماراتي، والفنون الشعبية، والحرف التقليدية، ضمن مشهد ثقافي منفتح على العالم.
ثقافة عائلية
من السمات اللافتة في موسم الصيف أن العائلة تصبح محوراً للفعاليات؛ فالبرامج المخصصة للأطفال، وورش العمل الفنية، والعروض التفاعلية، لا تكتفي بتوفير الترفيه، بل تقدم محتوى يسهم في تنمية الخيال، وتشجيع القراءة، واكتشاف الفنون، وتحويل الإجازة الصيفية إلى فرصة للتعلم والإبداع.
وهذا يرسخ مفهوم الثقافة بوصفها نشاطاً مجتمعياً، يشارك فيه جميع أفراد الأسرة، وليس جمهوراً متخصصاً أو فئة عمرية بعينها.
ربما تكمن أهمية «مفاجآت صيف دبي» في أنها تجاوزت فكرة الموسم التجاري، لتصبح نموذجاً لمدينة توظف الثقافة والإبداع في صناعة تجربة حضرية متكاملة، فالتسوق، والفنون، والترفيه، والتعليم، والسياحة، تتحول إلى عناصر مترابطة، تصنع معاً صورة مدينة تنبض بالحياة.
وفي هذا المشهد لا تكون الثقافة حدثاً عابراً، بل لغة يومية تعبر بها المدينة عن نفسها، وتؤكد أن الاستثمار في الإنسان والإبداع يمكن أن يجعل من الصيف موسماً للحياة، لا فصلاً للانتظار.
وقالت سهيلة صقر غباش، نائب رئيس إدارة تخطيط وتشغيل المهرجانات في مؤسسة دبي للمهرجانات والتجزئة: «أصبحت «مفاجآت صيف دبي» اليوم أكثر من مجرد موسم للتسوق، فهي منصة متكاملة، تجمع بين الثقافة والإبداع والترفيه والتجارب المجتمعية، بما يعكس رؤية دبي في تقديم تجربة متكاملة، تنبض بالحياة على مدار العام.
وأضافت: «نحرص من خلال البرنامج على توفير فرص للمواهب المحلية والإقليمية للإبداع، والتفاعل مع الجمهور، إلى جانب تقديم تجارب نوعية، تثري المشهد الثقافي والترفيهي للإمارة. ويأتي ذلك انسجاماً مع رؤية دبي الرامية إلى تعزيز جودة الحياة، وترسيخ مكانتها وجهة عالمية للزيارة والعيش والعمل، ودعم مستهدفات أجندة دبي الاقتصادية D33، من خلال اقتصاد إبداعي مزدهر وتجارب استثنائية للمقيمين والزوار».