مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، تتبدل ملامح الحياة في الإمارات، وتبدأ البيوت والأسواق والشوارع في ارتداء "ثوب العيد"، في مشهد اجتماعي وإنساني يعكس عمق العادات والتقاليد الإماراتية المرتبطة بهذه المناسبة المباركة، التي لا تقتصر على الطقوس الدينية فحسب، بل تتحول إلى موسم للفرح وصلة الرحم والتكافل الاجتماعي.
في الأحياء القديمة والحديثة على حد سواء، ترتفع وتيرة الاستعدادات قبل أيام من العيد، حيث تنشغل الأسر بتنظيف المنازل وتعطيرها بالبخور والعود، بينما تمتلئ المجالس بروائح القهوة العربية والحلوى التقليدية التي تعلن مبكراً قدوم المناسبة.
وفي الأسواق الشعبية والمراكز التجارية، يشهد الإقبال ذروته على شراء الملابس الجديدة، خصوصاً للأطفال الذين يعيشون أجواء استثنائية مترقبين "العيدية" والزيارات العائلية والسهرات الممتدة حتى ساعات متأخرة من الليل.
ومنذ اللحظات الأولى لدخول العشر الأوائل من شهر ذي الحجة، يتغير إيقاع الحياة في الإمارات، وكأن المدن تستعد روحياً لاستقبال العيد قبل قدومه بأيام.
فما أن تدخل إلى مؤسسة حكومية أو جهة خدمية أو حتى بعض المراكز التجارية، حتى تستقبلك تكبيرات العيد المنبعثة من الممرات وقاعات الانتظار: "الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله"، فتمنح المكان روحانية خاصة لا تخطئها القلوب.
وبين الموظفين والمراجعين، تمتزج أصوات العمل اليومي بنفحات إيمانية تبعث الطمأنينة وتذكر الجميع بعظمة هذه الأيام المباركة، حتى الوجوه تبدو أكثر بشاشة، والحديث عن الأضاحي والسفر ولمّة العائلة يصبح جزءاً من تفاصيل اليوم، في مشهد يعكس كيف يتحول العيد في الإمارات من مناسبة عابرة إلى حالة مجتمعية يعيشها الناس بكل مشاعرهم قبل حلوله بوقت طويل.
الأضحية روح العيد
تبقى الأضحية المشهد الأبرز في عيد الأضحى داخل المجتمع الإماراتي، حيث تحرص الأسر على إحياء هذه السنة المباركة، اقتداءً بسنة النبي إبراهيم عليه السلام، في أجواء تمتزج فيها القيم الدينية بروح التكافل.
ومنذ ساعات الصباح الأولى في يوم العيد، تتوجه العائلات إلى المسالخ المعتمدة أو تعتمد على خدمات الحجز الإلكتروني التي وفرتها الجهات المختصة لتسهيل عملية الذبح والتوزيع، وسط إجراءات صحية وتنظيمية دقيقة.
ولا يقتصر الأمر على ذبح الأضاحي فقط، بل تمتد روح العطاء إلى توزيع اللحوم على الأقارب والجيران والأسر المتعففة، في صورة تعكس قيم التراحم والتلاحم التي يتميز بها المجتمع الإماراتي.
تكبيرات العيد
وفي فجر يوم العيد، تكتظ المساجد والمصليات بالمصلين الذين يتوافدون لأداء صلاة العيد وسط أجواء إيمانية مهيبة، تتعالى خلالها التكبيرات التي تمنح المكان رهبة وروحانية خاصة.
بعد الصلاة تبدأ الزيارات العائلية، حيث يجتمع أفراد الأسرة حول "فوالة" العيد، وموائد الطعام التقليدية التي تضم أطباقاً شعبية شهيرة مثل الهريس والثريد والمجبوس واللقيمات، بينما تتزين المجالس بالورود والعطور العربية.
"العيدية" فرحة الصغار
ورغم التطور الكبير الذي شهدته الحياة في الإمارات، لا تزال "العيدية" تحتفظ بمكانتها الخاصة في ذاكرة الأطفال والكبار، إذ يحرص الآباء والأجداد على توزيعها وسط أجواء من البهجة والمرح.
ويعتبر الأطفال العيدية جزءاً لا يتجزأ من فرحة العيد، حيث ترتبط لديهم بشراء الألعاب والحلوى والخروج إلى الفعاليات الترفيهية التي تنظمها مختلف إمارات الدولة خلال هذه الفترة.
المجالس
وتتحول المجالس خلال العيد إلى محطات يومية لاستقبال المهنئين، حيث يتبادل الناس التهاني والدعوات، وتُستعاد الحكايات والذكريات القديمة في أجواء تعزز الترابط الأسري والمجتمعي.
ويحرص كثير من كبار السن على نقل العادات الإماراتية الأصيلة إلى الأجيال الجديدة، بدءاً من آداب استقبال الضيوف وحتى طرق إعداد القهوة وتقديم الطعام، حفاظاً على الهوية الثقافية والاجتماعية للدولة.
حركة اقتصادية
ولا تقتصر أجواء العيد على الطابع الاجتماعي فقط، بل تنعكس أيضاً على الحركة الاقتصادية، إذ تشهد الأسواق انتعاشاً ملحوظاً في قطاعات الملابس والعطور والحلويات والذهب والسفر، إلى جانب الإقبال الكبير على الوجهات السياحية والفنادق.
كما تتزين المدن الإماراتية بالعروض والفعاليات والألعاب النارية، لتتحول المناسبة إلى كرنفال احتفالي يجمع المواطنين والمقيمين والزوار في أجواء من الفرح والتسامح.
وفي كل عام، يثبت عيد الأضحى في الإمارات أن المناسبة ليست مجرد أيام احتفال، بل حالة اجتماعية وإنسانية متكاملة، تتجدد فيها معاني المحبة والعطاء وصلة الرحم، وتبقى فيها العادات الإماراتية الأصيلة حاضرة رغم تسارع الحياة الحديثة.