لطالما مثل العيد قيمة خاصة في مجتمع الإمارات، وبالطبع فإنه لا يختصر في فرحة يوم واحد فحسب، بل رسخ في الوجدان بوصفه سيرة أفراح ومباهج تمتد أياماً تتقاطع فيها مظاهر الاستعداد والزيارات وطقوس الاحتفاء بالمناسبة، في مشهد تختلط فيه حركة الأسواق بصوت الخياطين وتتهيأ فيه البيوت لاستقبال صباح مختلف.
وبينما نحتفل في عيد الفطر السعيد هذه الأيام، تستحضر وتضيء «البيان»، على جملة من ألوان ومعاني وطقوس العيد بالدولة في الماضي، مع عدد من المبدعين، إذ يحكون عن تلك الذكريات والتفاصيل الصغيرة التي كانت تصنع بهجته في البيوت والأسواق والحارات، وتمنح أيام العيد روحاً خاصة بقيت راسخة في ذاكرة المجتمع.
يؤكد الشاعر والباحث في التراث المحلي، الدكتور عارف الشيخ أنه في الإمارات كانت العوائل تعبر عن أقصى درجات الفرح بعيد الفطر، والذي يأتي بعد شهر الصوم، شهر رمضان المبارك، عبر مظاهر وطقوس محددة، فيودعونه بفرح ممزوج بالشوق ويفرحون بقدوم العيد. وكان من مظاهر الاستعداد للعيد قديماً، تنظيف البيت وترتيبه، ثم إخراج زكاة الفطر.ثم تبدأ أجواء الفرح في البيت فتبرز الأم ملابس جديدة مناسبة لها ولزوجها وللأطفال.
وأضاف عارف الشيخ: في البدايات كانت الأم تخيط الثياب بيدها، ثم استعانت بعد ذلك بماكينة خياطة يدوية توضع على الطاولة. أما الأب فكان يهيئ ما يلزم للبيت، وغالباً ما كانت الأسرة تستعد لاستقبال الضيوف. وكان من المعتاد أن يزور الأهل والجيران والأقارب بعضهم بعضاً.
وقال: إن التكافل الاجتماعي كان جزءاً من الإرث الإماراتي طوال العام، حيث كانت مظاهره حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية وكان الرجل يرعى أسرته ويحرص على أن يمتد هذا الاهتمام ليصل إلى الجيران والأقارب، ولطالما تجلى وبرز هذا في العيد.
فإذا احتاج الجار إلى شيء من لوازم البيت كان يذهب إلى جاره ويستعير منه ما يحتاج إليه، وكانت العلاقات بين الناس تقوم على التعاون والمساندة. وكانت زكاة الفطر أيضاً صورة من صور التكافل الاجتماعي، حيث كان الجار يعطيها للمحتاج حتى يغنيه عن السؤال ليلة العيد ويومه.
ويوضح عارف الشيخ أن بعض المظاهر القديمة قد تغيرت اليوم مثل خروج الصغار من بيوتهم في العيد للمرور على البيوت أو طلب العيدية، كما كان يحدث قديماً، إلا أن قيم العيد الأساسية ما زالت حاضرة.
ويؤكد عارف الشيخ على أن صلة الأرحام والتزاور تبقى من القيم التي ينبغي الحفاظ عليها، فلكل زمان رجاله وأعماله، ومع تغير الأحوال تبقى بعض القيم ثابتة تشكل جزءاً من هوية المجتمع.
خيارات وحكايات
يقول الباحث التراثي، جمعة بن ثالث، إن الاستعدادات للعيد في الماضي كانت مختلفة ، حيث كانت العائلات تبدأ التحضير له قبل قدومه بفترة. كان الاستعداد للعيد يبدأ داخل البيت ويحرص الأب أو الأم على تجهيز ما يلزم من ملابس وأحذية جديدة، إذ يبدأ الناس، منذ بداية شهر رمضان، أو مع منتصفه في شراء ما يحتاجه الأبناء استعداداً لصباح العيد.
وأشار إلى أن الأسواق كانت تشهد حركة ملحوظة مع اقتراب العيد، خاصة في الأسواق، كما كان يزداد عمل الخياطين وترتفع حركة شراء المواد الغذائية فيشعر الجميع بأنهم مقبلون على مناسبة مميزة.
وتابع: إن فرحة العيد كانت كبيرة وينتظرها الناس بفارغ الصبر، خاصة في صباح أول أيامه حين كان الرجال والأولاد يخرجون إلى المصلى لأداء صلاة العيد.
واستطرد قائلاً: إن كثيراً من المظاهر تغيرت اليوم، فقديماً كان الناس يستعدون للعيد قبل يومين أو ثلاثة أيام، حيث تقوم ربة الأسرة بتنظيف البيت وترتيبه تحضيراً لاستقبال العيد، فيشعر الجميع بأنهم مقبلون على مناسبة لها طابعها الخاص، ومن العادات التي كانت حاضرة آنذاك، خروج الأطفال في صباح العيد ليمروا على بيوت الحي، بيتاً بيتاً فيتنقلوا بين المنازل ويحيوا أهلها ويحصلوا على العيدية.
وكان هذا التنقل يمنحهم إحساساً حقيقياً بفرحة العيد. إن مجتمعنا لا يزال يحافظ على القيم والذخائر والمبادئ، ولكن هذه المظاهر الخاصة بفرحة العيد تراجعت ، وأصبح كثير من الناس يمضون يوم العيد في بيوتهم، ولا تتم الزيارات إلا في نطاق محدود، ما جعل أجواء العيد تختلف عما كانت عليه في الماضي.
