تحديات كبيرة يواجهها المسرح الإماراتي في العصر الراهن تزامناً مع التطورات التقنية المتسارعة، تفرض عليه إيجاد رؤى جديدة وحلول من خارج الصندوق، ليتمكن من خلال تحديث المضامين والآليات المحافظة على ألقه، ويجدد عهده مع جمهوره الشغوف دوماً بالإبداع الحقيقي، وهو التصور الذي نجح فعلاً «أبو الفنون» في إنجاز بعض خطواته بشهادة مبدعين داخل هذا الحقل الفني المهم، في حين رأى فريق آخر أن ثمة ما يحتاج إلى مزيد من الجهد لتجاوز العقبات، وبلوغ قمة التميز الإبداعي المعتاد والمشهود في الإمارات.
وأوضح الفنان والمخرج المسرحي الإماراتي ناجي الحاي، لـ«البيان»، أن الأعمال المسرحية في الإمارات لم تواكب التطورات التقنية المشهودة خلال السنوات الأخيرة الماضية بالصورة المطلوبة، قائلاً: «مع الأسف، لم يستطع المسرح الإماراتي أن يواكب التطور، سواء على المستوى التقني ولا حتى على صعيد المحتوى».
ورأى الحاي أن هذا الأمر أفقد المسرح الإماراتي بريقه في الوقت الحالي، مشيراً إلى أن كثيراً من العروض المسرحية باهتة، ومنها ما يلفُّه السواد مع كثير من الأضواء الملونة المجانية، و«أكروبات» وضجيج، وأخرى تستجدي الضحك بأي طريقة كانت.
وبشأن مستقبل المسرح الإماراتي في ظل تلك الظروف، قال ناجي: «إذا استمر مسرح الإمارات على نهجه فلن يكون له حضور على الإطلاق، وبرغم ذلك فإنني متفائل جداً؛ لأنني أرى أن ما يمر به المسرح عبارة عن فترة مرحلية».
واعتبر أن تلك الأحوال التي تحيط بالمشهد المسرحي تشبه ما كان في الثمانينيات، إذ عاد المسرح الإماراتي بعدها وتألق في التسعينيات، متوقعاً أن تظهر خلال السنوات القليلة المقبلة عروض مسرحية مختلفة قادرة على تلمُّس الذائقة الحديثة للجمهور وقراءة المجتمع وقضاياه، وذلك من خلال فِرق مسرحية جديدة تنشأ بنظام حديث يمنحها القدرة على الاعتماد على نفسها.
تطور ملحوظ
من جانبه، أكد خلفان الدرمكي، رئيس مجلس إدارة كلباء للفنون والمسرح، أن الأعمال المسرحية في الإمارات شهدت تطوراً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، وبدأت فعلاً في مواكبة بعض جوانب التطور التقني لكن بدرجات متفاوتة، مشيراً إلى أن عدداً من المسرحيين الإماراتيين استخدموا عناصر مثل: الإضاءة الرقمية، والمؤثرات البصرية، والخلفيات الافتراضية، خصوصاً في العروض التي تُقام ضمن مهرجانات كـ«مهرجان دبي لمسرح الشباب» و«أيام الشارقة المسرحية».
وقال الدرمكي: «مع ذلك، لا تزال هناك تحديات تحول دون التبني الكامل للتقنيات الحديثة، مثل الذكاء الاصطناعي، والواقع الافتراضي، أو التفاعل الحي عبر المنصات الرقمية، كما هو الحال في بعض التجارب العالمية»، لافتاً إلى أن هذه التحديات تتعلق أحياناً بالتمويل، وأحياناً أخرى بضعف التدريب أو قلة الكوادر المتخصصة في دمج التكنولوجيا بالفنون المسرحية، لكن بالمجمل هناك جهود حثيثة، لكنها تحتاج إلى مزيد من الدعم المؤسسي والتعليم الفني لتكون أكثر استدامة وتأثيراً.
قضايا حديثة
واستعرض خلفان مجموعة من مظاهر التطور والتجديد التي حققها المسرح الإماراتي خلال السنوات الأخيرة على مستوى المضمون، والتي يمكن تلخيص أبرزها في الانفتاح على قضايا معاصرة.
حيث انتقل المسرح من تناول موضوعات تقليدية إلى معالجة قضايا اجتماعية حديثة مثل: الهوية، والتغيرات الثقافية، والتكنولوجيا، وقضايا الشباب، وكذلك توظيف الرمزية والتأويل؛ إذ بدأت النصوص المسرحية تتبنى أساليب أكثر رمزية وعمقاً فكرياً بعيداً عن المباشرة والخطابية، منوهاً بالتنوع الثقافي واللغوي الذي شهدته بعض الأعمال من خلال استخدامها للهجات محلية أو لغات متعددة، ما يعكس التعدد الثقافي في الدولة، وإبراز البعد الإنساني العالمي، بحيث لم تعد الموضوعات محصورة في الشأن المحلي فقط، بل أصبحت تطرح قضايا إنسانية مشتركة تُقرأ في سياق عالمي.
وفيما يتعلَّق بتطور الآليات الإبداعية التي اعتمدها المسرح الإماراتي في مسيرته، بيَّن الدرمكي أنه تم استخدام التكنولوجيا المسرحية، وإدخال تقنيات مثل الإسقاط الضوئي (Projection Mapping)، والشاشات الذكية، والمؤثرات الصوتية والبصرية الرقمية، وأن الأعمال المسرحية لجأت إلى التجريب في الشكل.
حيث ظهرت عروض تخرج عن الشكل التقليدي للمسرح، مثل المسرح التفاعلي، والمسرح الدائري، والعروض المفتوحة، مضيفاً أنه جرى دمج الفنون الأخرى وإدخال عناصر من السينما، والموسيقى الحية، والفنون التشكيلية ضمن العرض المسرحي، إلى جانب الاعتماد على التدريب الأكاديمي الذي ظهر من خلال اتجاه عدد متزايد من المخرجين والممثلين إلى تلقي التعليم المسرحي الأكاديمي محلياً ودولياً، ما أسهم في رفع جودة الإخراج والتمثيل، ودعم المؤسسات والمهرجانات: مثل «أيام الشارقة المسرحية»، و«مهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة» التي توفر منصات للعرض والتجريب وتبادل الخبرات.
مستقبل واعد
وأوضح أن كل هذه العوامل تشير إلى أن المسرح الإماراتي في مرحلة نضج وتطور، وأنه يبحث عن هويته الخاصة ضمن خريطة المسرح العربي والعالمي، مؤكداً أن مستقبل المسرح الإماراتي في ظل التطور التقني المتسارع يبدو واعداً، بشرط الاستفادة الذكية من هذه التقنيات دون فقدان الهوية الثقافية والفنية.
وقدَّم خلفان الدرمكي رؤية تحليلية لمستقبل المسرح الإماراتي شملت الآفاق الإيجابية المحتملة التي تضمنت إنتاج عروض مسرحية رقمية أو هجينة، بحيث يمكن للمسرح الإماراتي أن ينتج عروضاً تمزج بين الأداء الحي والبث الرقمي (Hybrid Theatre)، ما يوسع الجمهور محلياً وعالمياً، وأن يتم توظيف الواقع المعزز (AR) والافتراضي (VR) لتقديم تجارب غامرة، خصوصاً في العروض التعليمية أو التراثية، لافتاً إلى أهمية إنشاء منصة رقمية لعرض المسرحيات الإماراتية، على غرار ما فعلته بعض الدول، ما يحفظ الأعمال ويوسع نطاق وصولها، إلى جانب دمج الذكاء الاصطناعي والإضاءة التفاعلية في كتابة النصوص وتحليل ردود فعل الجمهور لتحسين الأداء والتفاعل.
وكشف عن أبرز التحديات التي يجب مواجهتها في طريق تطور المسرح الإماراتي، مثل نقص الكوادر الفنية المتخصصة في التقنيات المسرحية، وارتفاع تكاليف الإنتاج التقني مقارنة بالإمكانات المتاحة لبعض الفرق، والحاجة إلى تطوير المناهج المسرحية لتشمل أدوات التقنية الحديثة، والمحافظة على الهوية المسرحية المحلية وسط الانبهار بالتكنولوجيا، موضحاً أن المستقبل مرهون بـثلاثة عناصر رئيسة: الدعم المؤسسي والتشريعي لتطوير البنية التحتية للمسرح والتقنيات، والتدريب والتعليم الفني المتخصص داخل وخارج الدولة، والشراكات الدولية مع فرق ومؤسسات مسرحية متقدمة تكنولوجياً، كما أن التعامل مع التكنولوجيا كوسيلة لا غاية، سيضمن للمسرح الإماراتي تحقيق قفزة نوعية وصناعة حضور عربي وعالمي مميز.