حين تتجاوز اللغة مجرد كونها وعاء للمعنى، وتصبح كائناً نابضاً يتنفس الألم ويعيد تشكيل التجربة الإنسانية عبر أدق تفاصيلها، ندرك أننا أمام قامة شعرية تمتلك قدراً هائلاً من عبقرية التعامل مع الجمل والتراكيب.
ففي قصائده الخالدة، يطوّع الشاعر العراقي الراحل محمد مهدي الجواهري الجملة العربية بوعي فني لافت، حيث يحوّل التقديم والتأخير، والحذف، والنداء، والأزمنة، إلى أدوات شعورية قادرة على كشف اضطراب الروح، وتعرية هشاشتها أمام قسوة الحياة.
وخلال قصيدته «قتل العواطف»، تتجلى البراعة التي يبني بها انفعاله داخل نسيج النص، ليمنح القصيدة توترها الإنساني العميق وإيقاعها الوجداني الآسر، وذلك حين يطالعنا معمار شعري ونحوي فريد، تتشابك فيه اللغة والصرف والنحو والبلاغة لترسم معاً دفقات المعاناة الإنسانية والذاتية الجارفة، في أسلوب يجمع بين عمق الدلالة وجمال التركيب، ممتداً عبر أبيات القصيدة كلوحة متكاملة الأركان.
يفتتح الجواهري نصه بخرق للمألوف النحوي، حيث يقول:
أغرى صحابي بتقريعي وتأنيبي
طولُ اصطباري على همٍّ وتعذيبِ
مستثمراً تأخير الفاعل «طول اصطباري» عن المفعول «صحابي»؛ ليخلق شغفاً لدى القارئ لمعرفة السبب الكامن وراء وقوعه غرضاً للعذل، لا سيما وهو يأتيه من أصفيائه لا أعدائه. ويعقد الشاعر موازنة بين طول جلَده وتمادي لائميه، مؤكداً صبره بصيغة الافتعال «اصطبار»، وبتنكير «همٍّ وتعذيبِ» لتفخيم العذاب. ثم ينقلنا بروعة درامية إلى صدمة اليأس، فيتأرجح بين المضارع الدال على الأمل والماضي الذي وأده، قائلاً:
أَيسْتُ مِنْ كلِّ مطلوبٍ أؤملُهُ
وأصبحَ الموتُ مِن أغلى مطاليبي
ليصنع بأسلوب «رد العجز على الصدر» بين «مطلوبٍ» و«مطاليبي» مفارقةً مدهشة، يبدو فيها الموت المكروه أثمن أمنياته الوردية الضائعة.
وفي تدافع زمني متلاحق، يشكو الشاعر تقلُّب أحداث الدهر في انزياح تركيبي آخر:
جارتْ عليَّ الليالي في تقلُّبِها
وأوهنَتْ جَلَدِي مِنْ فَرْطِ تقليبي
حيث قدّم الجار والمجرور «عليَّ» للعناية بموقع الضحية قبل الفاعل «الليالي»، كاشفاً عمّا تفرزه الحركة الكونية من تقليب قسري لجسده النحيل يعكسه التباين بين مصدر الفعل اللازم «تقلُّبِها» والمتعدي «تقليبي». هذا الإيقاع الدائري للعذاب يتجلى بوضوح عبر «الإيجاز بالحذف» في قوله:
عَوْداً وبدءاً على شرٍّ تُعاوِدُهُ
كأنني كرةٌ لِلِّعْبِ تلهو بي
فنصْبُ المصدرين «عَوْداً وبدءاً» بفعلين محذوفين منحَ الحدث ديمومةً مأساوية طليقة، تُوّجت بتشبيه تفوح منه رائحة السخرية والتهكم «كأنني كرةٌ لِلِّعْبِ».
ويصل التوتر العاطفي إلى مناجاة ذاتية يتبرأ فيها الشاعر من لواعج قلبه عبر توظيف أسلوب النداء، حيث يقول:
يا مُضغةً بين جنبيَّ ابتُليتُ بها
لا كُنْتِ مِنْ هدفٍ للشرِّ منصوبِ
إذ يعدل عن نداء «القلب» إلى «المضغة» المجردة لينفي التعاطف مع مصدر بلائه، ثم يستثمر أسلوب الدعاء بـ«لا» الداخلة على الماضي ليتمنى عدم وجود قلبه، معززاً هذا النفي بحرف الجر الزائد «من» لتوكيد الشمول والاستغراق في البلاء، وكأنه يستجير من وجد صدره بالخواء والتلاشي.
إن قراءة قصيدة «قتل العواطف» تؤكد قدرة القواعد النحوية والصرفية على التحوُّل في يد الشاعر المبدع إلى أدوات مشحونة بالأسى، تصهر التراكيب الجافة في بوتقة التجربة الإنسانية الحية، لتظل هذه الأبيات شاهداً حياً على طاقة الشعر العربي الأصيل في هز الوجدان وتخليد اللحظة البائسة الهاربة.