في مشهد ثقافي يتبدل إيقاعه سريعاً، وتتنافس فيه الأجناس الإبداعية على لفت الانتباه، يظل الشعر محتفظاً بمكانته بوصفه الفن الأكثر اقتراباً من جوهر الإنسان.

ومن بين الأصوات الإماراتية التي اختارت أن تمضي في الشعر بوصفه مشروعاً معرفياً وجمالياً متكاملاً، يبرز اسم الدكتور حسن علي النجار، شاعراً وباحثاً، يكتب القصيدة كما لو أنها سيرة داخلية، ويقرأها كما لو أنها سؤال مفتوح لا يبحث عن إجابة نهائية.

لم يدخل النجار عالم الشعر من بوابة الإلهام المفاجئ، بل من بوابة التحدي.

منذ طفولته الأولى، حين كان يسمع القصائد تتردد من حوله، تشكل داخله سؤال بسيط في صياغته، عميق في أثره: هل أستطيع أن أكتب مثل هذه الكلمات؟ كان الشعر آنذاك يبدو له محاطاً بهالة من القداسة، عصياً على الاقتراب، لكن التحدي ذاته صار الدافع الأول للمحاولة.

هكذا جاءت الكتابة قبل القراءة، وجاءت التجربة قبل التنظير، ثم بدأت الرحلة الطويلة في اكتشاف ملامح القصيدة وسبر معانيها.

أربعة دواوين شعرية تشكل اليوم خارطة التجربة الشعرية لحسن النجار: «حنين المرايا» (2007)، حيث تتلمس القصيدة صورتها الأولى في مواجهة الذات، و«حمام الروح» (2011)، الذي تنفتح فيه اللغة على بُعد تأملي أقرب إلى التطهير الداخلي، و«على وسادته مسٌ من القلق» (2017)، حيث يتكثف القلق بوصفه حالة إنسانية لا عارضاً عابراً، وصولاً إلى «نخلع الظل على عتبة الباب» (2023)، الديوان الذي مثّل ذروة نضج التجربة، ودخل القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد للكتاب 2024.

في هذه الأعمال، لا يتعامل النجار مع القصيدة كتمرين لغوي، بل ككائن حي، يتنفس، ويتحول، ويترك أثره بهدوء.

لغة تميل إلى الاقتصاد، لكنها مشحونة بالدلالة، وصور لا تستعرض جمالها، بل تنبع من عمق التجربة.

الشعر والهوية... الذات بوصفها مدخلاً

يرى حسن النجار أن الشعر يعكس الهوية الثقافية، لكن هذا الانعكاس لا يتم بصورة مباشرة أو شعاراتية.

فالشاعر - في نظره - ينطلق أولاً من ذاته، من أسئلته، ومن قلقه الداخلي، ومن هذا العمق تتشكل علاقة النص بالمكان والبيئة والتراث.

البيئة الإماراتية حاضرة في نصوصه عبر المفردة، والإيقاع، وطريقة التفكير، لا بوصفها إطاراً خارجياً، بل بوصفها جزءاً من التكوين النفسي واللغوي للشاعر.

أما التوازن بين التراث والحداثة، فيراه متحققاً في روح القصيدة العمودية التي يكتبها؛ تمسك بتراث شعري هائل، وحداثة تنبع من الصياغة، ومن حساسية لغوية تشعر قارئها بأن الشاعر يجاوره في الزمن والحياة.

من القصيدة إلى البحث الأكاديمي

لم يتوقف مشروع حسن النجار عند حدود الإبداع، بل امتد إلى البحث والنقد، حيث نال درجة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها من جامعة الشارقة (2023)، عن أطروحة بعنوان: «الجسد في الشعر الإماراتي - دراسة سيميائية تحليلية لنماذج مختارة».

اختيار الجسد موضوعاً لم يكن ترفاً نقدياً، بل محاولة لفتح ملف ظل مهمشاً رغم كونه من أكثر الموضوعات التصاقاً بالإنسان.

ويشير النجار إلى أن التحدي الأكبر لم يكن في التحليل، بل في غياب مشروع مؤسسي يجمع الدواوين الشعرية الإماراتية تحت سقف واحد، بوصفها ذاكرة ثقافية تستحق الحفظ والدراسة.

القصيدة الإماراتية... حضور وتأثير

شارك النجار في عدد من الأمسيات والمهرجانات داخل الدولة وخارجها، من بينها مشاركته في مسابقة أمير الشعراء (2009)، وفوزه بالريشة الذهبية في ملتقى الشعراء الطلبة العرب بتونس (2020).

وفي هذه المشاركات، لمس حفاوة الجمهور العربي بالشعر الإماراتي، ما يؤكد - وفي رأيه - ضرورة التخطيط الجاد لحضور خارجي يوازي الحضور المحلي.

وفي زمن تهيمن فيه الصورة ووسائل التواصل، لا يرى أن الشعر فقد تأثيره، بل تغير شكله.

فالشعر ما زال يحتفظ بأثره الجمالي والنفسي، لأن اللغة - كما يقول - لذة وغواية، ولأن القصيدة تظل قادرة على إلقاء ظلالها على قارئها، مهما تغيرت الوسائط.

وصية شاعر

وفي ختام رؤيته، يضع النجار خلاصة بسيطة لكنها حاسمة أمام الشعراء الشباب، وهي الاستمرار في الكتابة، والاستمرار في الظهور.

وهي النصيحة ذاتها التي يوجهها إلى الشعراء الشباب في الإمارات: أن يكتبوا بلا انقطاع، وأن يظلوا حاضرين... فبهما وحدهما تستمر الحياة في القصيدة الإماراتية.