في ظل التغيرات الرقمية السريعة والتحولات المجتمعية الكثيرة التي يعاصرها الجيل الجديد من الشباب، وفي خضمّ تحدّيات مختلفة تواجهها اللغة والموروث الشعري والأدبي، يتكرر طرح تساؤلات عن أسباب عزوف الجيل الجديد عن الاهتمام بالشعر العربي وعما إذا كان هذا الانصراف إلى غيره من الاهتمامات والهوايات مردُّه حلقة وصل مفقودة في المناهج المدرسية لخلق شغف بالشعر وتمكّن سليم من اللغة يبدأ منذ السنوات الأولى على المقاعد الدراسية.

فالمبادرات التي تُعنى بالشعر، حتى وإن وجدت، خارج المؤسسات التعليمية والجامعية، وحظيت بحفاوة وأقيمت لها المسابقات والمهرجانات، فإنّ جيلاً لم ينشأ على حب الشعر ونظم القصائد، لن يجد في تلك المبادرات والمسابقات ما يجذبه إليها.

وفي هذا الصدد، قال الشاعر طلال سالم إن المبادرات الشعرية الموجّهة للشباب جميلة وموجودة، لكنها تحتاج إلى مزيد من تسليط الضوء كي ترى النور، مشيراً إلى أن بعض المسابقات الشعرية التي شارك بنفسه في لجان تحكيم بعضها، تلقى صدى جميلاً في بداياتها، وخصوصاً في مجالي القراءة والإلقاء، قبل أن تتطور لاحقاً إلى مبادرات لنسج الشعر وكتابته بطرق مختلفة.

وأوضح أن تفعيل دور اللغة العربية في المدارس، عبر تسليط الضوء عليها ورصد ميزانيات حقيقية، من شأنه أن يسهم في تعريف النشء بالشعر وغرس حبه في نفوسهم في عمر مبكر.

وشدد على أهمية حضور الشعراء أنفسهم في هذه المبادرات بوصفهم رموزاً للحركة الشعرية الإماراتية، ولا سيما أولئك الذين تتضمن المناهج المدرسية والجامعية قصائدهم، مؤكداً أن اللقاءات والندوات التعريفية بالشعراء داخل المدارس والجامعات تمثل حلقة مفقودة في المشهد الثقافي الحالي.

وأشار طلال إلى وجود نقص واضح في التواصل بين المبادرات الثقافية القائمة والوسط الجامعي، معتبراً أن التحولات الرقمية تفرض الحاجة إلى منبر إلكتروني حقيقي للشعر، تتبناه إحدى المؤسسات الثقافية، ويُعنى بتوثيق القصائد الإماراتية والشعراء الإماراتيين وسيرهم الذاتية وإنتاجهم، إلى جانب رصد ميزانيات لتسويق هذا المنتج الثقافي بوصفه جزءاً من الهوية الثقافية التي يُباهي بها العالم.

وفي حديثه عن تجديد علاقة الشباب بالشعر، أكد أن نماذج جميلة ومبشرة موجودة بالفعل، وأن كثيراً من الشباب يعودون إلى الشعر حين يجدون رابطاً حياً بين الشاعر والقصيدة، غير أن الإشكالية تكمن في أن شريحة واسعة من الشباب لا تمتلك البراعة اللغوية التي تمكّنهم من نظم الشعر الموزون.

وحول تجاوز الصورة التقليدية للشعر، رأى أن القصيدة نجحت في ذلك، لكن المشكلة تكمن في غياب من يوصلها إلى الجمهور إيصالاً حقيقياً، رغم كثرة المبادرات والمهرجانات والأمسيات الشعرية، مثل مهرجان الشارقة للشعر العربي، ومهرجان أبوظبي للشعر، وأنشطة اتحاد الكتاب.

أما الشاعر سالم الزمر فيرى أن الشعر العربي يمر بمرحلة احتضار بطيء، لابتعاد الأجيال الشابة عن اللغة العربية وآدابها، وانبهارهم بالفكر والآداب الغربية، حيث بات من يقلد تلك الآداب يُعد مبدعاً، فيما يُتهم من يستقي لغته وأفكاره من الأرض الحضارية العربية بالرجعية والتقليدية، ولو بشكل خفي.

وأشار إلى أن المؤسسات الثقافية تحاول إنعاش جسد الشعر العربي عبر مبادرات وأنشطة متنوعة، في وقت تتجه فيه الأجيال إلى الجامعات لا طلباً للمعرفة، بل للحصول على شهادات تؤهلهم لسوق العمل، مدفوعة بخطاب وسائل التواصل الاجتماعي الذي يروج لوهم الريادة والمال، بعيداً عن الأدب والمعرفة الخالصة بوصفها أساس النهضة والرقي.

الحياة اليومية

وأوضحت الشاعرة فاطمة بدر، أن أهمية المبادرات الشعرية الموجّهة للشباب لا تكمن في إعادة الشباب إلى الشعر بقدر ما هي مهمة في إعادة الشعر إلى حياتهم اليومية.

وأشارت إلى أن الشباب لا ينفرون من القصيدة نفسها، بل من اللغة التي تُخاطبهم من أعلى، ومن الشعر حين يتحوّل إلى درس لا إلى تجربة، مضيفة: «وهنا يأتي دور الشاعر، بأن يتخلّى عن فكرة الوصاية، وأن يقف داخل السؤال لا فوقه، وأن يقدّم الشعر بوصفه مساحة نجاة لا منصّة استعراض.

وحين يشعر الشباب بأن القصيدة تُشبه ارتباكهم، وتشبه الصوت الداخلي، فإنهم يقتربون منها دون أن يُطلب منهم ذلك».

وفي ظل التحولات الرقمية وتغيّر أنماط التلقي، ترى فاطمة بدر أن التحوّل الرقمي لم يُضعف الشعر، بل كشف هشاشة صورته القديمة.

وأكدت أن السؤال اليوم لم يعد: كيف نُعرف الشباب بالشعر؟ بل كيف نسمح للشعر أن يتنفس خارج القوالب الجاهزة؟ وأشارت إلى أن المبادرات التي تنجح هي تلك التي لا تحاول تبسيط القصيدة، بل تعيد وضعها في سياقها الطبيعي، لافتة إلى أنه حين يُقدَّم الشعر بوصفه تجربة حسّية مفتوحة، لا نصّاً مُقدّساً، يبدأ باستعادة جمهوره الحقيقي.