في أكتوبر من عام 2001 صعد ستيف جوبز على خشبة مسرح في مدينة كوبرتينو، وأخرج من جيبه جهازاً بحجم علبة ورق اللعب، ليغير وجه الثقافة الإنسانية إلى الأبد.
كان الشعار الترويجي لجهاز «آيبود» (iPod) الأول بمثابة درس بليغ في الإيجاز والتكثيف: «1000 أغنية في جيبك».
أما بالنسبة لقطاع صناعة الموسيقى، الذي كان ينزف حتى الموت آنذاك جراء طعنات القرصنة الإلكترونية، فقد كان وقع هذا الشعار كدقات ناقوس الموت.
ولسنوات خلت ساد اختزال تاريخي شائع يزعم أن شركة «أبل» وجهازها «الآيبود» هما من «أنقذا» صناعة الموسيقى؛ بيد أن الحقيقة كانت أكثر دراماتيكية بكثير، ففي مهده لم يكن «الآيبود» طوق نجاة لشركات الإنتاج، بل صار سلاحاً فتاكاً في يد القوى ذاتها، التي كانت تعمل على تدمير تلك الشركات.
ولم يجد قطاع الصناعة قارب نجاته الحقيقي إلا بعد عامين كاملين، عندما دفعت أبل بـ«حصان طروادة» رقمي بارع، لتعيد في خضم تلك العملية صياغة قواعد الرأسمالية والإبداع.
عندما طُرح الآيبود في الأسواق عُدَّ معجزة تكنولوجية، لكنه وصل محملاً بمفارقة صارخة؛ فلم يكن هناك أي سوق رقمي شرعي، يمكن من خلاله ملء مخزنه، إذ لم يكن لمتجر «آي تيونز» الموسيقي وجود بعد؛ ولكي ينقل المستخدمون تلك الأغاني الألف إلى جوف الجهاز كان عليهم إما قضاء أسابيع في تجميع الأقراص (CD) يدوياً وتحويلها إلى ملفات رقمية، وإما - وهو المسار الأكثر شيوعاً بفارق هائل- التوجه نحو شبكات ومواقع القرصنة، وتبادل الملفات غير الشرعية مثل «كازا» (Kazaa) و«ليم واير» (Limewire).
وهكذا كان الآيبود في مهده بمثابة الأداة الكمالية الفاخرة للموسيقى المسروقة؛ حيث التقط تلك المكتبة الهائلة والفوضوية للإنترنت غير القانوني، وحوّلها إلى مادة مصقولة، محصورة، وجذابة للغاية في عين الجيل الجديد.
ومع استمرار تهاوي مبيعات الأقراص المضغوطة وجدت شركات الإنتاج الكبرى أنفسها في حالة ذعر، ما دفعها لشن حرب قضائية ومقاضاة منصات مشاركة الملفات، بل وملاحقة المراهقين أنفسهم قانونياً في بيوتهم. أطل طوق النجاة الحقيقي في 28 أبريل عام 2003، عبر «البرمجيات»: متجر «آي تيونز» الموسيقي، إذ أدرك جوبز حقيقة جوهرية في السلوك البشري؛ وهي أن معظم الناس لا يرغبون في السرقة، بل ينشدون فحسب «تجربة سلسة وانسيابية بلا عقبات».
لقد كانت القرصنة تفوز في المعركة لكونها أيسر من الذهاب إلى متجر الأسطوانات المادي، على الرغم مما كانت تحمله من فيروسات، وملفات معطوبة، وجودة صوتية رديئة.
وهنا عرضت «أبل» على شركات الإنتاج «صفقة صادمة»؛ فمقابل إضفاء الشرعية على الموسيقى الرقمية، تعين على الشركات «تفكيك وعزل» الألبوم الكامل، بما يتيح للمستخدمين شراء الأغاني الفردية مقابل 99 سنتاً فقط.
قاومت شركات الإنتاج الفكرة في بادئ الأمر، مدفوعة برعب عارم من أن يقضي هذا التوجه على ألبوم الأقراص (CD) المربح، الذي كان يُباع بـ 18 دولاراً، ولكن مع تراجعهم وضغط الظروف عليهم استسلموا وأفرجوا عن مكتباتهم الموسيقية.
ومن خلال جعل عملية الشراء القانونية أسرع وأكثر أماناً من القرصنة نجحت «أبل» في تحويل الملف الرقمي إلى مصدر للمال؛ وأصبحت تلك الخطوة بمثابة الجسر الحيوي، الذي مكن صناعة الموسيقى من النجاة بجلدها من فوضى وقانون الغاب للإنترنت في بداياته.
لم تكن «أبل» تتحرك بدافع الإيثار أو حب الخير؛ إذ كانت الأغنية التي تُباع بـ 99 سنتاً بمثابة «سلعة جاذبة وخاسرة» بالمعنى التجاري، فلم تحقق «أبل» أي أرباح تُذكر من الأغاني ذاتها؛ إذ كانت الأغلبية الساحقة من ذلك التسعة وتسعين سنتاً تذهب مباشرة إلى جيوب شركات الإنتاج والموزعين.
وبدلاً من الربح المباشر كانت الموسيقى الشرعية الرخيصة بمثابة الوقود المصمم لدفع مبيعات أجهزة «الآيبود» ذات هوامش الربح المرتفعة للغاية للشركة.
لقد استغلت «أبل» نتاج إبداعات أعظم فناني العالم لتُحكم قفل مستهلكيها داخل منظومتها الحيوية وبيئتها التقنية الخاصة.
ومع انجلاء الغبار استعادت صناعة الموسيقى استقرارها مجدداً، غير أن موازين القوى كانت قد تبدلت؛ فلم تعد شركات الإنتاج هي المتحكم في الثقافة، بل آلت السطوة والنفوذ لشركة تكنولوجيا تقبع في وادي السيليكون. لقد برهنت حقبة الآيبود أنه لكي تنقذ صناعة ما، يتعين عليك أحياناً أن تستعمرها بالكامل.
أرشيفية
ستيف جوبز قدم «آيبود» للعالم