بينما تتسارع إيقاعات العالم، وتتداخل الهويات، يطلّ الفنان الدكتور طارق المنهالي، نائب رئيس جمعية الموسيقيين الإماراتيين، بمشروع يشكّل محاولة فنية وفكرية تعيد تعريف العلاقة بين الصوت والمكان، حيث لا تُختزل الموسيقى في كونها فناً عابراً، بل تغدو مرآةً للجغرافيا، وذاكرةً حيّةً تنبض بروح الهوية.
وتحت عنوان «الجيوموسيقية»، ينفتح المشروع على أفق رحب من الرؤى المتصلة بدور الفن في حفظ الموروث، وتوسيع حضوره، وتحويله إلى لغة إنسانية قادرة على العبور من المحلي إلى العالمي دون أن تفقد جذورها.
ولا يتعامل المنهالي مع الموسيقى بوصفها فناً ترفيهياً فحسب، بل كأداة دبلوماسية ناعمة، تسهم في مدّ جسور التلاقي بين الشعوب، وتعزّز حضور الهوية الإماراتية في فضاءات عالمية أرحب. ومن هنا، تحوّل مشروع «الجيوموسيقية» من فكرة فنية إلى رؤية ثقافية متكاملة يعمل على توثيقها في كتاب مرتقب، يرصد من خلاله تجربته في توظيف الموروث الموسيقي المحلي باعتباره امتداداً حياً للجغرافيا والهوية.
وفي أعماله، يوازن الدكتور طارق المنهالي بين التعمق في التراث والانفتاح على الحداثة، مؤكداً أن الهوية لا تُصان عبر التكرار، بل عبر إعادة تقديمها بوعي معاصر يحترم جذورها ويخاطب الحاضر. فالموروث، بالنسبة إليه، ليس مادة جامدة، بل كائن حي قابل للتجدد، بشرط ألَّا يفقد روحه الأصيلة، ما ينعكس على رؤيته للأغنية الإماراتية، التي يرى أنها تمتلك رصيداً جمالياً غنياً، لكنها بحاجة إلى توسيع خطابها لتتجاوز القوالب الاحتفالية، وتعبّر عن أبعاد ثقافية أعمق، قادرة على الاستمرار والتأثير، محلياً وعالمياً.
ويطرح المنهالي «الجيوموسيقية» كعلم وأسلوب يُعنى بدراسة العلاقة بين الموسيقى والمكان، ويهدف إلى تأهيل المبدعين لتقديم أعمال تنطلق من خصوصيتها المحلية، لكنها قادرة على مخاطبة العالم. فكلما كانت الموسيقى صادقة في انتمائها، ازدادت قدرتها على العبور إلى الآخر دون أن تفقد هويتها.
أرشيفية
«الأوركسترا الوطنية» تقدم روائع ملهمة
وفي هذا السياق، يؤكد أن الانفتاح على ثقافات الشعوب لا يعني الذوبان فيها، بل فهمها والتفاعل معها، بما يتيح تقديم الموروث الإماراتي بروح تحترم الآخر وتخاطبه بلغته، دون التفريط في الخصوصية الثقافية، مؤكداً أن «الجيوموسيقية» تمثل جغرافيا النغم وصوت الهوية.
ولا يغفل المنهالي دور الأجيال الناشئة في هذا المشروع، إذ يرى أن إشراك الأطفال في بناء الهوية الموسيقية يمثل استثماراً في المستقبل. فحين يعيش الطفل الموسيقى التراثية كجزء من يومه، لا كمتلقٍ فقط، بل كمشارك، فإنه يحملها معه ويطوّرها، لتصبح جزءاً من ذاكرته وسلوكه الثقافي.
كما يشير إلى أن البيئة الأسرية الداعمة تؤدي دوراً محورياً في ترسيخ هذا الوعي، حيث يتحول الفن إلى ممارسة يومية تعزز الانتماء وتغذّي الحس الإبداعي. وفي ظل التحولات الرقمية، يقرّ الدكتور طارق المنهالي بأن الفرص المتاحة للانتشار أصبحت أوسع، لكنها في الوقت ذاته تفرض تحديات تتعلق بالحفاظ على الهوية، خصوصاً مع هيمنة أنماط موسيقية سريعة الاستهلاك. ويؤكد أن الحل يكمن في إنتاج محتوى أصيل بجودة عالية، يوازن بين الحداثة والمضمون التراثي، ويخاطب مختلف شرائح المجتمع.
ومن خلال دراسته لثقافات ولهجات متعددة، استطاع المنهالي أن يطوّر تجربة موسيقية تقوم على التفاعل الخلَّاق بين الموروث الإماراتي وأنماط موسيقية عربية وعالمية، مثل القدود الحلبية والسلَّم الخماسي السوداني واللهجة الحسانية المغربية، مقدماً أعمالاً تنفتح على الآخر دون أن تذوب فيه.
ويرى أن هذا التداخل لا يُفقد الهوية خصوصيتها، بل يوسّع دائرة حضورها، ويجعلها أكثر قدرة على الوصول إلى وجدان شعوب مختلفة، لتتحول الموسيقى إلى مساحة لقاء إنساني مشترك.
ويختصر الدكتور طارق المنهالي فلسفة مشروعه في عبارة موجزة: «الجيوموسيقية نغمة وطن تُعزف وتُغنّى، متجولةً بموروثها حول العالم»، في إشارة إلى طموح يتجاوز حدود المكان، دون أن ينفصل عنه، ويجعل من الفن جسراً بين الهوية المحلية والإنسانية الرحبة.