تستعد العاصمة البريطانية لاستقبال واحد من أهم الكنوز التاريخية في العالم، حيث كشفت وزارة الخزانة عن خطة لتأمين "نسيج بايو" (Bayeux Tapestry) بمبلغ ضخم يقدر بنحو 800 مليون جنيه إسترليني (نحو مليار دولار).

وتأتي هذه الخطوة الاستثنائية كجزء من اتفاقية إعارة تاريخية بين فرنسا والمملكة المتحدة، ليُعرض النسيج في المتحف البريطاني العام المقبل، وهي المرة الأولى التي يغادر فيها الأراضي الفرنسية منذ نحو 950 عاماً، في حدث وُصف بأنه ذروة "دبلوماسية القوة الناعمة" بين البلدين.

​يعتبر "نسيج بايو" وثيقة بصرية فريدة تعود للقرن الحادي عشر، وهو عبارة عن تطريز متقن بخيوط الصوف الملونة على قماش الكتان بطول يصل إلى 70 متراً.

يوثق النسيج بدقة متناهية أحداث غزو النورمان لإنجلترا عام 1066. وما لا يعرفه الكثيرون هو أن النسيج يضم 58 مشهداً مفصلاً، تشمل 626 شخصية و202 من الخيول، بالإضافة إلى تفاصيل دقيقة عن الحياة اليومية والأسلحة والسفن في العصور الوسطى، مما يجعله بمثابة "فيلم وثائقي" من القرون الوسطى صمد عبر الزمان.

​ومن الزوايا المثيرة للجدل في تاريخ هذا الأثر، هو "اللغز" المحيط بهوية صُنّاعه؛ فرغم كونه يخلد انتصار ملك فرنسا "ويليام الفاتح"، إلا أن أغلب الدراسات التاريخية تؤكد أن من قام بتطريزه هن راهبات إنجليزيات في منطقة "كانتربري".

هذا التناقض يعني أن المهزومين هم من وثقوا انتصار غازيهم بأيديهم. كما يحتوي النسيج على قيمة علمية نادرة، حيث يضم أقدم تصوير تاريخي موثق لـ "مذنب هالي"، الذي ظهر في السماء آنذاك واعتبره المعاصرون نذير شؤم للملك الإنجليزي المهزوم.

​أما السر الأكبر فيكمن في "الهوامش المشفرة" للنسيج؛ فإذا أمعن القارئ النظر في الحواف العلوية والسفلية، سيجد عالماً موازياً للأحداث المركزية. تحتوي هذه الهوامش على رسومات لكائنات خرافية، وحيوانات من أساطير "إيسوب"، وحتى مشاهد من الحياة الريفية.

يرى المؤرخون أن هذه الهوامش لم تكن مجرد زينة، بل كانت "تعليقاً سياسياً ساخراً" أو رموزاً مشفرة وضعها المطرزون الإنجليز للتعبير عن آرائهم المناهضة للغزو النورماندي، مما يجعل النسيج يحمل روايتين متناقضتين في آن واحد.

​من الناحية الفنية، استخدم الفنانون تقنيات تُعرف بـ "غرزة بايو" (Bayeux stitch) بأربعة ألوان أساسية من أصباغ نباتية طبيعية، نجحوا عبرها في اشتقاق ثمانية تدرجات لونية لا تزال واضحة حتى اليوم. هذه الدقة جعلت النسيج أول "إنفوغرافيك حربي" في التاريخ.

ومع ذلك، لطالما رفضت فرنسا إعارته لبريطانيا لقرون (بما في ذلك محاولات فاشلة في 1953 و1966)، لذا فإن موافقة الرئيس إيمانويل ماكرون مؤخراً تُعد انعطافة تاريخية لترميم الجسور الثقافية بعد "البريكست".

​ستتم تغطية هذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر عبر "مخطط التعويض الحكومي" (GIS)، وهو نظام تأمين سيادي يوفر للمتاحف البريطانية نحو 81 مليون جنيه إسترليني سنوياً.

وفي مقابل هذه الإعارة، ستقوم بريطانيا بإرسال كنوز أثرية لفرنسا، منها آثار "ساتون هو" وقطع شطرنج "لويس" الشهيرة.

وسيستقر النسيج في قاعة "سينسبري" بالمتحف البريطاني حتى يوليو 2027، ليمنح الجمهور فرصة لمشاهدة "كنز المليار دولار" قبل عودته لموطنه الأصلي في "متحف بايو" الذي سيخضع للتجديد.