هل يمكن للمرء أن يمتلك مفاتيح العالم، ثم يكتشف أن أغلى ما يفتقده هو مفتاح حريته؟ في قصةٍ تبدو كفصلٍ من رواية تراجيدية، نجد "جيه بول جيتي"، الملياردير الذي حطم أرقام الثراء القياسية، لكنه انتهى به المطاف أسيراً لخوفه الخاص.

لقد امتلك جيتي كل شيء؛ الإمبراطوريات النفطية، التحف الفنية النادرة، وحتى "الأسود الأليفة" التي كانت تتجول في باحات قصره الإنجليزي المحصن، لكنه في خضم هذه الجبال من الثروة، كان يعاني من "فقر السعادة".

لم يكن قصره الشاهق سوى سجنٍ ذهبي، تغلفه قضبان الحديد والكلاب البوليسية، ليضع أمامنا التساؤل الأزلي: ما قيمةُ أن تكون الأغنى في العالم، إذا كنتَ تفتقر إلى طمأنينة الإنسان البسيط؟

واليوم، بينما تبتسم لنا عدسات "غيتي إيماجز" في أخبار العالم وصوره، ربما نغفل أن هذا الاسم هو الذكرى الأخيرة لرجلٍ أمضى عمره يطارد المليارات، ليكتشف في نهايته أن الثروة قد تشتري لك القصور، لكنها لا تشتري لك لحظة واحدة من السعادة التي كان يجدها في أمواج الشاطئ وأشعة الشمس المجانية.

عزلة داخل قلعة محصنة

في عام 1959، قرر قطب النفط الأمريكي الاستقرار في إنجلترا، واختار قصراً فخماً كان في الماضي مقراً صيفياً للملك هنري الثامن.

ورغم أن هذا القصر كان يضج بكنوز فنية تعود لعصر النهضة، إلا أن نمط حياة جيتي فيه كان أشبه بالحياة داخل حصن عسكري.

لم تكن الجدران التاريخية كافية لتوفير شعوره بالأمان؛ فقد حوّل القصر المكون من 72 غرفة إلى قلعة محصنة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. تم تركيب أنظمة أمنية متطورة في كل ركن، حتى داخل الحمامات الـ 14 الموجودة في القصر، وتم تدعيم الأبواب والنوافذ بالقضبان الحديدية، بينما جابت كلاب الحراسة البوليسية ومساعدوه أرجاء العقار الذي يمتد على مساحة 700 فدان.

كان جيتي يغذي هذا الغموض حول حياته، فعندما سُئل عن سر هذا التحصين المبالغ فيه، كان يكتفي بالرد ببرود بأنها "إجراءات احترازية ضرورية" ضد "المجانين" الذين قد يسعون لنسف المكان. لكن الواقع كان أعمق؛ فقد كان الرجل يعيش في حالة دائمة من التوجس، محاطاً بأسد أليف سماه "نيرو"، في مشهد يبدو أقرب لقصص الروايات الغامضة منه لواقع رجل أعمال يدير إمبراطورية عالمية.

البحث عن معادلة النجاح المفقودة

على الرغم من دخوله التاريخ كأغنى رجل في العالم عام 1966، بفضل اكتشافات نفطية كبرى في أوكلاهوما بدأت بفضل والده، إلا أن جيتي كان شخصاً "متواضعاً" في تقييمه لنفسه.

في مقابلاته النادرة، كان يرفض أن ينسب نجاحه إلى عبقرية خارقة، بل كان يصر على أن هناك مزيجاً من 37 صفة ضرورية للنجاح، وإذا افتقد الإنسان اثنتين منها، فإنه يحقق نجاحاً متواضعاً فقط.

لم يكن جيتي يرى في نفسه بطلاً، بل كان يشتكي دائماً من شعوره بـ "الرتابة" كرفيق. وفي كتاباته للجمهور، كان ينصح دائماً بـ "العمل الجاد، الاستيقاظ المبكر، والاستقلال في الرأي"، مؤكداً أن التميز يكمن في القدرة على رؤية الأمور من زاوية خاصة بعيداً عن صخب الجماهير.

ومع ذلك، كان يتساءل بمرارة عن السبب وراء شعوره بأن حياته فقدت بريقها بعد وفاة والده وتحمله لمسؤولية الشركة. لقد أصبح عمله هو قيده الأكبر، واصفاً حياته بأنها "سنجاب في قفص"، يركض بسرعة جنونية فقط ليظل في مكانه.

مفارقات البخل والمأساة العائلية

التناقض الصارخ في حياة جيتي تجلى في سلوكه المالي. بينما كان يمتلك ثروة تقدر بمليارات الدولارات (بمقياس اليوم)، إلا أنه اشتهر ببخلٍ جعل الناس يتساءلون: هل هذا هو أغنى رجل في العالم؟ لقد كان يحسب كل قرش، يتردد في دفع رسوم دخول للمعارض، ويتناول طعامه في أوقات متأخرة لتجنب رسوم إضافية تفرضها المطاعم للأوركسترا.

أكثر الفصول قتامة في حياته كانت تتعلق بعائلته. فعندما اختُطف حفيده "جون بول جيتي الثالث" في إيطاليا عام 1973، أظهر جيتي وجهاً بارداً وقاسياً. لقد رفض دفع فدية ضخمة للخاطفين، ليس لعجز مالي، بل لمنطق استراتيجي قاسٍ: "لدي 14 حفيداً، ولو دفعت فلساً واحداً اليوم، فسيكون لدي 14 حفيداً مختطفاً غداً".

انتهت المأساة بقطع أذن الحفيد وإرسالها لصحيفة، في واقعة هزت الرأي العام العالمي وأظهرت الثمن الباهظ الذي دفعته عائلته نتيجة صرامته المفرطة.

ثمن المسؤولية: هل المال يشتري السعادة؟

في سنواته الأخيرة، اعترف جيتي بوضوح أن المسؤوليات المالية الضخمة ليست بأي حال من الأحوال مفتاحاً للبهجة أو السعادة.

لقد كان يرى أن أفضل اللحظات التي عاشها كانت تلك التي لم تكلفني فلساً واحداً؛ التواجد على الشاطئ، ركوب الأمواج، الاستمتاع بأشعة الشمس والمناظر الطبيعية.

كانت تلك هي الأشياء الوحيدة التي شعر فيها بحريته الحقيقية، بعيداً عن أرقام البورصة، وتقلبات أسعار النفط، وأثقال المسؤولية التي ورثها عن والده.

من عزلة القصر إلى عدسة العالم

المثير للدهشة حقاً أن إرث الملياردير جيه بول جيتي، ذلك الرجل الذي قضى سنواته الأخيرة حبيساً خلف قضبان حصنه البريطاني المنعزل، قد استحال اليوم إلى "غيتي إيماجز" (Getty Images)؛ تلك الإمبراطورية البصرية التي لا تغيب عنها شمس.

لقد تحولت ثروة العائلة من براميل النفط المادية التي كانت تُستخرج من جوف الأرض، إلى صور رقمية لا نهائية توثق حياة العالم وصخبه بآلاف اللقطات في الثانية الواحدة.

إنها مفارقة تاريخية مذهلة؛ فبينما كانت عزلة الجد قائمة على الخوف من اختراق حصونه أو ملاحقة مصور صحفي متطفل –ذلك المصور الذي انتهى به المطاف في مسبح قصره– تحول إرثه مع الحفيد "مارك غيتي" إلى أكبر وكالة للصور في العالم.

ففي عام 1995، انطلقت شرارة "غيتي إيماجز" لتصبح اليوم المرجعية البصرية الأولى للصحافة العالمية، وكأن القدر أراد أن ينتقم لعدسة المصور التي كسرها جيتي يوماً ما، ليجعل من "اسم العائلة" هو المرجعية الأولى لكل عدسات العالم.

لقد انتقلت العائلة من زمن كان فيه جيتي يضع "قضبان الحديد" على نوافذ قصره ليحجب العالم الخارجي، إلى زمنٍ أصبح فيه اسم "غيتي" هو النافذة الرقمية التي يطل من خلالها الجميع على العالم.

إن هذا التحول يعكس فلسفة جديدة للثراء: فالثروة التي كانت بالأمس تُخزن خلف الأسوار والأسلاك الشائكة، أصبحت اليوم قيمة معرفية وبصرية تتدفق بحرية في شرايين الإنترنت.

وهكذا، طوى الحفيد صفحة "عزلة الجد"، ليصنع إمبراطورية لا تعرف الحدود، محولاً ثقلاً كان يوماً ما "عبئاً على السعادة" إلى أداةٍ توثق تاريخ البشرية لحظة بلحظة، في رحلة بدأت في عام 1995 من صمت القصور، وانتهت بضجيج العالم الرقمي المفتوح.