شهدت السنوات الأخيرة تألقاً لافتاً للرواية التاريخية الإماراتية، حيث حصدت أعمال عدة جوائز مرموقة، أو وصلت إلى قوائمها النهائية، ما يعكس نضج هذا الجنس الأدبي في الدولة.
وتأتي على رأس هذه المؤلفات التاريخية مجموعة من أعمال صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، التي تُعتبر مرجعاً أساسياً في الرواية التاريخية، حيث تمزج بين التحقيق التاريخي الدقيق والسرد الروائي، ومن أبرزها: روايتا «الشيخ الأبيض» و«الأمير الثائر».
وهناك أيضاً مجموعة من الأعمال برزت في الميدان لكتّاب مهمين مثل: الكاتبة ميسون صقر القاسمي وعلي أبو الريش.
كما تبرز رواية «يوميات روز» للروائية ريم الكمالي، التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) في دورة 2022، وأعمال أدبية للكاتبة لولوة المنصوري.
ويمثل هذا التوجه نحو الرواية التاريخية، ظاهرة لافتة، لا يمكن تجاوزها، وتدعو إلى الغوص في أسبابها، ودوافعها، والتوجهات التي صنعتها، حيث يقول الكاتب محمد الحبسي، الذي يُعد من أبرز الكتاب الإماراتيين المعاصرين الذين يجمعون بين السرد الروائي والبحث التاريخي والتوثيقي: «ما شدني إلى كتابة الرواية التاريخية هو حبي للتاريخ، هذا أولاً، وكانت روايتي الأولى تتناول التاريخ الجبلي، التي أشبعت فيها شغفي بتسليط الضوء على التاريخ والتراث الإماراتي، كما أن الرواية التاريخية تمنح الكاتب حرية تناول موضوعات لا يستطيع تناولها عبر الكتابة المباشرة، وهنا يأتي الإسقاط التاريخي، كوسيلة لمناقشة الأوضاع العربية، بدون تحرج أو حسابات تقيّد الأفكار».
ولا يرى الحبسي غرابة في التوجه نحو الرواية التاريخية، وقال: «نحن جزء من أمة ضاربة جذورها في أعماق التاريخ، لذا لدينا الكثير مما يمكن أن نستحضره بطريقة إبداعية، وإعادة التفكير به، وكذلك تفرض الأحداث المعاصرة، استحضار مراحل تاريخية بعينها. وهذا نوع من العمق في التفكير الذي تحتاجه المجتمعات».
وأضاف الحبسي صاحب رواية «قصر الزباء» التاريخية، الفائزة بجائزة العويس للإبداع لعام 2025، التي تعود بالقارئ إلى القرن الثالث الميلادي، وتدور أحداثها في مدينة «جلفار» التاريخية: «أحاول في كتاباتي تسليط الضوء على أهمية توحيد الذاكرة التاريخية، في امتدادها التاريخي، وعبر الزمن، ففي تاريخنا العديد من المحطات التاريخية المهمة، التي ظهرت في مناطق مختلفة من عالمنا العربي، وفي أزمان مختلفة، أنا بالنسبة لي هذه ذاكرة واحدة مشتركة تتكامل فيما يمكن أن نسميه «التاريخ المشترك»، الذي هو محرك قوي يدفع الشعوب والأمم إلى الإسهام الفاعل في الحضارة الإنسانية، هذا واحد من الموضوعات التي أركز عليها.
وأكد الكاتب والإعلامي ظاعن شاهين، أن أسباب التركيز على كتابة التاريخ، برأيه، مردها أن كتّاب الإمارات أمام هذا التسارع الهائل الذي فرضته المدنية والحداثة باتوا يشعرون بحاجةٍ ملحّة إلى العودة نحو الجذور الأولى، بحثاً عن التوازن بين الحاضر المتسارع والماضي الذي شكّل الوعي الجمعي.
ومن هنا، أصبحت الرغبة في تسجيل الذاكرة واستعادتها طاغية، لا بوصفها حنيناً مجرّداً، بل باعتبارها فعلاً ثقافياً واعياً يُعاد إنتاجه بصياغة أدبية قادرة على مخاطبة الإنسان المعاصر.
وتابع: «لذلك نجد كثيراً من الكُتّاب يسعون إلى تقديم صورة حيّة عن الحياة قبل النهضة الحديثة، ولا سيما في فترات التحولات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى التي شهدها الخليج، فالتاريخ، في هذا السياق، لا يُستدعى كحدثٍ منتهٍ أو وقائع جامدة، بل بوصفه مادة سردية ثرية تساعد القارئ على فهم الجذور، واستيعاب التحولات، وبناء علاقة أعمق مع الهوية والمكان».
وقال شاهين: «كما هو معلوم للمتابع للمشهد الثقافي، فإن الرواية التاريخية تمنح الكاتب مساحة واسعة لربط القارئ بتاريخ منطقته وذاكرته الجمعية، ما يعزز الشعور بالانتماء، ويبرز علاقة الفرد بالمكان عبر تعاقب الأزمنة، فيتحول المكان من مجرد جغرافيا إلى كيان حيّ يتشكل بالإنسان ويتأثر به، ومن خلال متابعتي للمشهد الأدبي في الإمارات، ألاحظ اهتماماً متزايداً بإبراز تفاصيل المجتمع المحلي وتحولاته الدقيقة، وهو ما يوفّر مادة خصبة للسرد الروائي، خصوصاً في ظل محدودية الروايات الطويلة نسبياً في الأدب الإماراتي مقارنة ببعض الآداب العالمية، كما تسهم الفعاليات الثقافية والأدبية في الدولة، مثل معرضي الشارقة وأبوظبي للكتاب، ومهرجان طيران الإمارات للآداب، في فتح منابر واسعة للنقاش النقدي والحوار حول الرواية التي تمزج بين التاريخ والهوية، وتعيد مساءلة العلاقة بين الماضي والحاضر».
وقال: «يُحسب للرواية التاريخية أنها لا تقدّم التاريخ بوصفه سرداً توثيقياً جافاً، بل تعيد تشكيله عبر شخصيات وتجارب إنسانية قريبة من وجدان القارئ الإماراتي والخليجي، ما يمنح النص بُعداً عاطفياً وإنسانياً، ويجعل أثره أكثر عمقاً وارتباطاً بالواقع، وأرى شخصياً أن الكتابة التاريخية ليست تكراراً للماضي أو اجتراراً له، بل هي محاولة واعية لصياغة جذور الوعي الجماعي، وفهم التحولات الاجتماعية والنفسية التي مرّت بها الأجيال المتعاقبة، ولا يعني هذا التوجه أن الكتابة المعاصرة أقل قيمة، بل إن التاريخ يمدّ الخيال الروائي بمواد غنية، ويمنح الهوية الإنسانية عمقها واتساعها، فالكاتب التاريخي لا يكتفي بسرد الأحداث، بل يجعلها عاملاً مؤثراً في مشاعر الأفراد وسلوكهم، بحيث يعيش القارئ تلك التحولات وكأنها جزء من تجربته الشخصية».
وأردف شاهين: «ومن هذا المنطلق، أرى أن التركيز على الرواية التاريخية في الإمارات يحمل قيمة أدبية وثقافية حقيقية، خاصة في مجتمع يشهد تغيرات متسارعة، ويشعر بحاجته الدائمة إلى فهم جذوره واستيعاب مسارات تشكّله، وعندما قدّمت رواية «دَمٌ واحد»، حاولت أن تكون نموذجاً لهذا النوع من الكتابة، رواية لا تتوقف عند الماضي بوصفه وثيقة أو أرشيفاً، بل تنسج حواراً حيّاً بين الماضي والحاضر، ضمن إطار إنساني مشوّق، يجعل التاريخ حيّاً في الذاكرة، وفاعلاً في الحاضر، ومفتوحاً على أسئلة المستقبل».