مواقف حياتية تنتهي عندها قصص عابرة، لتبدأ رحلة حياة جديدة، تنبعث معها آمال وطموحات أوشكت أن تغيب.. هكذا تمضي أحداث الأفلام القصيرة الثلاثة، التي عرضت مؤخراً في إحدى فعاليات «ليالي سينيوليو» السينمائية بمسرح مكتبة محمد بن راشد، التي تشكل منصة رائدة تجمع عشاق السينما والمهتمين بالفن السابع، وتقدم تجربة ثقافية تعزز الحوار الفني والإبداعي بالمجتمع، من خلال عروض لأفلام عربية وعالمية مختارة، تليها جلسات نقاشية.

وضمت الليلة المميزة، التي افتتحها المخرج الإماراتي نواف الجناحي، بكلمة رحب فيها بالحضور، وتمنى لهم مشاهدة ممتعة ومثيرة للشغف، تشكيلة بدأت برحلة مع الفيلم المصري «حار جاف صيفاً» للمخرج شريف البنداري، لتنتقل إلى الفيلم الكوري «غالوبر» للمخرج هان وول أوه، وتنتهي بالفيلم الصيني «أركض فلنركض».

خيط مشترك

وانتظمت الأعمال الثلاثة الواقعية في خيط مشترك، يمكن تلمُّسه عبر فكرة الموقف، الذي يرسم الدهشة على الوجوه، لتتغير بعدها مجريات الأحداث على نحو مفاجئ، ويظهر ذلك عندما يجمع القدَر بطل الفيلم المصري، الرجل المسن «شوقي» المصاب بمرض السرطان، الذي يؤدي دوره الفنان محمد فريد، بالعروس التي تجسد شخصيتها الفنانة ناهد السباعي، خلال جولتها إلى الكوافير والخيَّاطة ثم المصور، في أجواء شديدة الحرارة بالقاهرة، لتبدأ تدريجياً المواقف الطريفة، حينما تمضي العروس إلى طريقها وقد أخذت بالخطأ الكيس الأصفر المشتمل على نتائج الأشعة الطبية للرجل المريض الذي ظل يلاحقها إثر ذلك.

هذا الموقف تقابله في الفيلم الكوري، «غالوبر»، اللحظة التي يصادف فيها نقيب شرطة في بلدة ريفية، يؤدي دوره الممثل جي آي جو بونغ، سيارة لص تسبَّب في الكثير من المشكلات، بينما كان يُقرر التقاعد وهو في طريقه إلى تخريد سيارته القديمة «غالوبر».

ويتماهى في فيلم «أركض فلنركض» الصيني، مثل تلك اللحظة الفارقة حينما يقدم صبي يُدعى «كايكاي» على سرقة حقيبة زوجة أبيه، بعدما حرَّكه حنينه الشديد إلى أمه، لينطلق في رحلة العودة إلى وطنه، ضمن أحداث تدور خلال القرن العشرين في الصين إبان موجة هجرة هائلة.

رسائل النهايات

ومع اختلاف تفاصيل القصص الثلاث فإنها جميعاً تحمل رسائل متشابهة من حيث الغرض والمغزى، مفادها أن وراء النهايات بدايات جديدة، وخلف الأزمات تكمن أحلام قابلة للتحقيق.

ويتضح هذا المعنى العميق بجلاء في المشهد الأخير من «حار جاف صيفاً» خصوصاً، حيث يظهر البطل جالساً في شرفة بيته، وقد نبت شعره من جديد علامة على تعافيه من المرض الخبيث، وذلك قبل أن يسدل المخرج ستار الأحداث بخلفية غنائية لرائعة الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب «لأ مش أنا اللي أبكي، ولا أنا اللي أشكي»، تتخللها لقطة تبدو فيها صورة فوتوغرافية معلَّقة على الجدار، جمعت البطل والعروس، التي التقاها في أول الفيلم.

وتتلخص قصة هذه الصورة في أن المصور أقنع العروس بأن يلتقطها لها بجوار الرجل المسن، ثم يجري تعديلات عليها فيما بعد لإضافة صورة عروسها الحقيقي، الذي لم يتمكن من الحضور لحظة التصوير، لكن يبدو أن الصورة الأصلية ظلت بحوزة المسن، الذي بقي سعيداً بتلك اللحظة حتى النهاية.

دلالة رمزية

وبهذه الصورة أراد صنَّاع العمل أن يلفتوا الأنظار إلى دلالة رمزية تدعو إلى إفساح المجتمع مساحات للمنعزلين حتى يشاركوا أفراد المجتمع في هذه الحياة، ويقتسموا السعادة بين البشر، ويضفوا على أيام عمرهم لمسات من معاني الحب والوفاء، تدفعهم إلى تقبل الدنيا من حولهم بما هي عليه.

وقد أشار مخرج الفيلم إلى هذه القيمة المعنوية عندما كشف لنا أخيراً أن البطل كان يتخيل وجود ابنه معه في البيت، ويتعايش مع وهم لا حقيقة له، يسد به فراغ وحدته المقيتة، التي استحالت أمراً عادياً مقبولاً بعدما استقرت حالته الصحية، وغدا مبتهجاً بالحياة ومستسيغاً ملامحها، بفضل موقف بسيط عابر غرس السعادة في قلبه.