حين أقدم لص غامض على اقتحام منزل المخرجة صوفيا كوبولا في نيويورك، متجاهلاً كافة التحف الفنية الباهظة ليختار بدقة صورة فوتوغرافية من كواليس فيلم «ماري أنطوانيت»، ربما لم يكن يعلم أنه يعيد التذكير بواحدة من أغرب المفارقات الفنية في تاريخ السينما الحديثة؛ فتلك اللقطة التي تجمع ممثلين بأزياء فرساي الملكية مع سماعات أجهزة «آيبود» وحواسيب «أبل» المحمولة، تختصر بحد ذاتها قصة فيلم وُلد وسط عاصفة من الانتقادات ليصبح لاحقاً أيقونة ثقافية خالدة.

وتعضد هذه الحادثة قصة سرقة منزلية غريبة جرت مؤخراً؛ إذ اقتحم اللصوص الطابق الأول من منزل المخرجة، وفحصوا مجموعة من الأعمال الفنية المؤطرة الباهظة الثمن والمعلقة على الجدار، ليختاروا صورة من كواليس فيلم صوفيا كوبولا الصادر عام 2006 «ماري أنطوانيت»، والتي تظهر فيها كومبارسان تقفان داخل خيمة بيضاء كبيرة، وترتديان أزياء باستيلية حائزة على جائزة الأوسكار من تصميم ميلينا كانونيرو، وهما تلتقطان صورة بكاميرا رقمية. يقول صانع الصورة، أندرو دورهام، وهو مصور ومنتج وصديق مقرب لكوبولا.

من الرفض الجماهيري إلى الأيقونة الثقافية

ربما كان اللصوص من طلاب السينما، أو ربما امتلكوا حساباً نشطاً على منصة «تمبلر» (Tumblr) في حقبة العقد الثاني من الألفية، حيث حظيت صور دورهام الحميمة من كواليس الفيلم الثالث لكوبولا بجمهور واسع وعشاق مخلصين.

ولم تنحسر أبدًا حالة الانبهار بفيلم كوبولا الأنيق والعاطفي عن دوفين فرنسا (ولي عهدة فرنسا) طوال العقدين الماضيين منذ صدوره. لدرجة يصعب معها تخيل بدايات الفيلم المتعثرة آنذاك.

ففي مهرجان كان السينمائي عام 2006، قوبل الفيلم بصيحات الاستهجان من المشاهدين وانتقدته الصحافة بشدة؛ إذ وصفته صحيفة «الغارديان» بأنه «مربك ومتبلد تاريخياً»، بينما ذكرت مجلة «سليت» أن كوبولا كانت «حنينية تجاه النظام القديم (Ancien Régime) بقدر حنين فيلم ذهب مع الريح (Gone with the Wind) إلى الجنوب الأمريكي القديم».

وتركز جزء كبير من الغضب على تجاهل الفيلم التام للدقة التاريخية، بدءاً من الموسيقى التصويرية الرومانسية الحديثة وصولاً إلى اللهجات الأمريكية.

ولم يساعد الفيلم حقيقة أن كوبولا مُنحت صلاحية استثنائية للتصوير الفعلي داخل قصر فرساي، وهو امتياز اعتبر البعض أنه أُهدر تماماً. وقد غطى الفيلم تكاليف إنتاجه في شباك التذاكر، ولكنه لم يحقق أكثر من ذلك بكثير.

الاعتراف والتحول الجذري

مع ذلك، لم يخلو الفيلم تماماً من التقدير الصناعي؛ فقد فازت كانونيرو بجائزة الأوسكار لأفضل تصميم أزياء عن إبداعاتها الباستيلية الفخمة في عام 2007، بل وحصل الفيلم على جائزة السينما التابعة لنظام التعليم الوطني الفرنسي في مهرجان كان، وهي مفارقة مدهشة بالنظر إلى أن العديد من الشكاوى الأولية كانت موجهة ضد خروج الفيلم عن الأحداث التاريخية.

وقد انسجم بعض النقاد مع رؤية كوبولا وأثنوا عليها وفقاً لذلك. ولكن بمرور الوقت، انقلب التيار تماماً.

الآن، يُشاد بفيلم «ماري أنطوانيت» باعتباره العمل الذي دشن فصلاً جديداً من الدراما التاريخية القائمة على «الأجواء والمزاج»، مما منح شرعية للمخرجين الأكثر اهتماماً بخلق الحالة المزاجية بدلاً من سرد الحقيقة التاريخية.

الشعر المستعار وموسيقى آيبود

اكتسب الفيلم حياة أبدية أسطورية تتجاوز إطلاقها الأولي، ليصبح اختصاراً ثقافياً للوحدة المذهبة، ولتغدو الملكة الشابة رمزاً كئيباً للطفولة والأنوثة.

وفي العام الماضي، أقام متحف «فكتوريا وألبرت» في لندن معرضاً يضم مجموعة من ملابس الملكة الشابة وأحذيتها وأثاث غرفة نومها، بالإضافة إلى أزياء كانونيرو ومجموعة من قطع منصات العروض المعاصرة المستوحاة من الدوفين نفسها.

وقالت امينة المعرض سارة غرانت إن هذا العرض «ما كان ليتم» لولا فيلم كوبولا. وفي هذا الأسبوع، افتتح قصر فرساي معرضاً خاصاً به يركز بشكل أكبر على الفيلم، بينما سيحظى الفيلم الشهر المقبل بإعادة إطلاق كاملة في دور السينما احتفالاً بمرور 20 عاماً على صدوره.

وكأن ذلك لم يكن كافياً، يمكن لعشاق الفيلم الآن إعادة إحياء الحياة في كواليس كوبولا من خلال عملين إعلاميين خّالدا كل تفصيلة وثوب ومعجنات.

الأول هو مجموعة صور دورهام الضخمة التي التقطها بكاميرته الفورية، والثانية هو الوثائقي المتأخر للراحلة إليانور كوبولا بعنوان «صنع ماري أنطوانيت» (Making Marie Antoinette) والمقرر إصداره الشهر المقبل.

 كواليس العقد الأول من الألفية

التقط دورهام 1,872 صورة تحديداً، موزعة على 52 لفة فيلم. والكتاب النهائي الذي نُشر هذا الشهر بواسطة دار «Important Flowers» يضم مجموعة مختارة بعناية من حوالي 400 صورة.

يقول دورهام: «كنت هناك حقاً توثيقاً للإنتاج لصالح صوفيا.. فقط لأجل أرشيفنا، لكي نتمكن أنا وصوفيا من الاحتفاظ بكل هذه اللقطات». سافر من لوس أنجلوس إلى باريس، وأقام على أريكة كوبولا وسافر معها كل صباح إلى موقع التصوير.

ويضيف: «لحسن حظي، لم يكن أحد يفعله ما كنت أفعله، ولم يكن أحد يهتم.. كنت أتجول بكاميرتي وأقوم بعملي الخاص بطريقتي».

وكان عمله يركز غالباً على التناقضات الساحرة وغير المتناسقة، لا سيما اللحظات التي تتصادم فيها أزياء القرن الثامن عشر مع تقنيات أوائل العقد الأول من الألفية؛ مثل ظهور كيرستن دانست وجيسون شوارتزمان بكامل أزيائهما التاريخية بينما يستخدمان جهاز «Apple PowerBook»، أو يتشاركان سماعات الأذن الموصولة بجهاز «iPod Classic»، أو مجاميع الكومبارس بأشعارهم المستعار وهم يدخنون ويتحدثون على هواتف محمولة ضخمة.

نُشرت صور دورهام لأول مرة عبر مجلة «Vogue France»، ثم ابدت مجلات أخرى حول العالم اهتمامها بها، حيث تم ترخيصها قانونياً في البداية بمساعدة وكيل نقابي سعى إليه استباقياً.

وبعد ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، انتشرت الصور في كل مكان. ويقول: «لم نكن نملك أي سيطرة عليها، كنت أرى هذه الصورة لجيسون وكيرستن وهما على دراجة فيسبا، وكانت في كل مكان.. وكنت أقول لنفسي: لا أعرف كيف حصل الناس عليها».

عصر مختلف

يعتقد دورهام أن أحد أسباب استمرار هذه الصور طوال هذا الوقت هو أنها تعمل بمثابة نوع من «الكبسولة الزمنية». ويقول: «تم تصوير هذا الفيلم في العام الذي سبِق إطلاق هاتف آيفون.. أعتقد أن ذلك يوضح الكثير حول ما تمثله هذه الصور».

وهناك أيضاً تيار خفي من طابع «الأناقة المستقلة» (Indie sleaze). ويضيف دورهام: «ربما بالنسبة للشباب، فإنهم يمثلون فيلماً قديماً رائعاً، من الممتع نوعاً ما رؤية هؤلاء الممثلين عندما كانوا أصغر سناً والجميع يدخنون، وهو ما يستحضر حقبة مختلفة».

وهناك جانب فخري ومترف في صور دورهام، ليس فقط لأن الجميع فيها يرتدون ملابس ارستقراطية فرنسية وهم يتجرعون الشمبانيا ويتناولون الحلويات.

اليوم، تكبدت صناعة السينما الأمريكية دوامة هبوطية مع بطالة بلغت نحو 30% منذ عام 2022 وفقاً لبيانات مكتب إحصاءات العمل.

وتنتج الاستوديوهات أفلاماً أقل بكثير مقارنة بما كانت عليه قبل بضع سنوات، وانخفاض ميزانيات الأفلام يجعل من الصعب تمويل أي فيلم على الإطلاق، ناهيك عن توفير أموال للملذات الإضافية.

ويقول دورهام: «عندما وصلت إلى باريس، شعرت أن موقع التصوير كان يعكس بلاط فرساي تماماً.. كنا نتناول وجبات غداء جماعية رائعة.، ثم يمتد الأمر إلى عطلات نهاية الأسبوع وأيام الإجازة».

وتنتشر صور طاقم العمل والممثلين وهم يرقصون في نادي «Le Baron»، وهو مكانهم المفضل المعتاد، في جميع أنحاء الكتاب - بما في ذلك صورة لعينين متعبتين لكوبولا في الساعات الأولى من الصباح وهي محجوزة خارج الشقة لأن دورهام فقد مفاتيح الشقة على حلبة الرقص. ويقول: «كنا جميعاً مجرد مجموعة من الأطفال نستمتع بوقتنا في باريس».

الوثائقي التذكاري

كان نهج دورهام في التوثيق مختلفاً عن نهج إليانور كوبولا، صانعة الأفلام الوثائقية الراحلة التي توفيت عام 2024 وهي والدة صوفيا كوبولا، والتي صورت نسختها الخاصة من الأحداث في موقع التصوير.

بدأت صوفيا وإليانور كوبولا العمل على الفيلم الوثائقي التذكاري معاً أثناء الحجر الصحي خلال جائحة كوفيد-19 في عام 2020، لتكمل صوفيا الفيلم في النهاية بعد وفاتها.

يقول دورهام: «كانت (إليانور) من أكثر الأشخاص خفاءً.. بينما كانت طريقتي تعتمد أكثر على الخروج ومصادقة الناس».

وأشار إلى أن كاميرته الصغيرة من نوع «Contax TVS3» مكنته من التقاط الصور بسرعة وبطريقة غير مزعجة.

ويضيف: «أما إليانور، فقد كانت منعزلة وهادئة جداً لدرجة أنك لا تكاد تشعر بوجودها. كانت طريقتها مختلفة تماماً، وكأنها ذبابة على الجدار».

80 ساعة

سجلت إليانور كوبولا أكثر من 80 ساعة من اللقطات المصورة من فترة الإنتاج، مسجلة لحظات حميمة في كواليس التصوير، بما في ذلك نوبات الإحباط العابرة لابنتها مع الزملاء الذين يشرحون الأمور بطريقة متعالية (mansplaining)، أو حياد دانست المهذب عند تصويرها لمشروع إضافي بين لقطات التصوير.

ولكن الأهم من السماح للمعجبين بإعادة تجربة «ماري أنطوانيت» عبر عدسة عفوية، فإن الفيلم الوثائقي يتيح للمشاهدين رؤية العمل بأكمله من منظور أم فريد.

وتؤدي الممثلة ديان لين التعليق الصوتي لفقرات من مذكرات كوبولا الخاصة طوال الفيلم وهي تستذكر ضخامة رؤية طموح ابنتها المهني والإبداعي بشكل مباشر.

دعهم يأكلون الكعك

تُظهر اللقطة الأخيرة من الفيلم الممثلة دانست وهي تسترخى في حوض الاستحمام ملقية بواحدة من أكثر العبارات الخيالية شهرة في التاريخ: «دعهم يأكلون الكعك». وكان ذلك، بشكل ملائم، آخر مشهد تم تصويره في موقع فرساي.

ويخبرنا تعليق إليانور كوبولا الصوتي أن صوفيا تفاجأت بأنهم لم يتمكنوا من إنهاء الفيلم فحسب، بل وفعلوا ذلك في الوقت المحدد وضمن الميزانية المقررة. وهي انتصارات صغيرة باهتة مقارنة بمكانة الفيلم الراسخة في تاريخ السينما.

ويختتم دورهام حديثه عن تحفة صوفيا كوبولا بالقول: «لست متأكداً مما إذا كان الناس قادرين على تحمل تكلفة صناعة أفلام كهذه اليوم، يبدو حقاً أن هذا النوع من الأفلام قد أصبح موضة قديمة عفا عليها الزمن».