اعتادت هوليوود على كسر الأرقام القياسية، لكن هذه المرة، بدا الأمر وكأنها فقدت بوصلتها وسط غابة من النفقات التي لا تنتهي. بإنفاق بلغ 658.8 مليون دولار على فيلم "جوراسيك وورلد: دومينيون"، وضعت "يونيفرسال" نفسها في "فخ" مالي جعلها تنتزع لقب الفيلم الأغلى تكلفة في التاريخ من "ديزني".
ولكن، هل كانت هذه الميزانية مجرد استثمارٍ طموحٍ في عالم الديناصورات، أم أنها تعبيرٌ عن فقدان السيطرة على جنون الميزانيات الذي يهدد استقرار الصناعة بأكملها؟ في هذا التقرير، نكشف كيف تحولت ملحمة الديناصورات من مجرد مغامرة سينمائية إلى لغزٍ اقتصادي يضع هوليوود أمام مفترق طرق.
تصاعد التكاليف
نظراً لتصوير الفيلم في ذروة تفشي الجائحة عام 2020، اضطرت "يونيفرسال" إلى اعتماد بروتوكولات سلامة باهظة التكلفة أثناء الإنتاج. كما واجه العمل تأجيلات استمرت لعدة أشهر، مما أدى إلى إرجاء العرض الأول للفيلم لمدة عام كامل ليصبح في يونيو 2022.
تسبب الحفاظ على عمليات الإنتاج في حالة استعداد دائم خلال فترات التوقف في قفزة هائلة بتكاليف الاستوديو؛ إذ تعين عليهم الاستمرار في دفع الإيجارات لمسارح الصوت والمعدات المستأجرة، والتي لم يكن من الممكن إعادتها خشية خسارة الفترة الزمنية المتاحة للوصول إليها واستخدامها لاحقاً. علاوة على ذلك، توجب دفع رواتب لبعض أفراد طواقم الأمن لحراسة مواقع التصوير، والأمر نفسه انطبق على بعض المنتجين رفيعي المستوى ورؤساء الأقسام لضمان بقائهم متاحين بمجرد انحسار الجائحة.
ظروف النجوم
لم يقضِ طاقم العمل من نجوم الصف الأول فترة الحجر الصحي التي استمرت خمسة أشهر في ظروف متواضعة؛ بل أقام النجوم في فندق "لانغلي" الفاخر التابع لمجموعة ماريوت في المملكة المتحدة، بالقرب من استوديوهات "بينوود" التاريخية حيث تم تصوير فيلم "دومينيون".
ويضم هذا القصر الذي يعود تاريخه إلى القرن الثامن عشر ردهة ذات جدران خشبية تحتوي على بيانو أنيق ظهر في مقاطع فيديو انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي خلال فترة الإغلاق، حيث كان غولدبلوم يعزف أغاني جاز كلاسيكية بينما يغني نيل إلى جانبه.
وتتجاوز تكلفة الغرف في هذا الفندق 600 دولار لليلة الواحدة، وهو مبلغ ضخم بما يكفي للتأثير على الميزانية الإجمالية لشركة يونيفرسال المخصصة للفيلم.
أسرار الشفافية
عادة ما تكون التكلفة الدقيقة لصناعة الأفلام في الولايات المتحدة سراً محاطاً بكتمان شديد. وعلى الرغم من احتمالية تسريب "ميزانية" الفيلم، إلا أن التكاليف المفصلة بالكامل يتم دمجها معاً في الإفصاحات المقدمة إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية (SEC)، مما يخفي التكاليف الخاصة بكل فيلم على حدة.
لكن الأمر يختلف تماماً في المملكة المتحدة، حيث تم إنتاج كل من "دومينيون" و"ذا فورس أواكينز". تستفيد الاستوديوهات التي تقوم بالتصوير في المملكة المتحدة من نظام "ائتمان الإنفاق السمعي البصري" (AVEC) الحكومي، والذي يمنحها استرداداً نقدياً يصل إلى 25.5% من الأموال التي تنفقها هناك، كحافز للاستوديوهات الأجنبية للاستعانة بالمواهب والمواقع البريطانية.
شروط التمويل
تأتي الأموال النقدية مشروطة؛ فلكي يكون الفيلم مؤهلاً للحصول على هذا الاسترداد، يجب أن يجتاز اختبار نقاط يثبت قيمته وجدارته للمملكة المتحدة. ويعتمد هذا الاختبار على عوامل عدة، مثل عدد الممثلين الرئيسيين المنتمين للمملكة المتحدة، وحجم المحتوى البريطاني، ومقدار التصوير الذي تم داخل البلاد.
وهذا ما يفسر تصوير مشاهد من فيلم "دومينيون" في غابات جنوب شرق إنجلترا، واستخدام كلية "وولفسون" بجامعة أكسفورد كمقر لشركة "بايوسين" في الفيلم. وبالمثل، ساعد وجود الممثلة البريطانية إيزابيلا سيرمون في زيادة رصيد نقاط يونيفرسال.
كما يشترط إنفاق 10% على الأقل من التكاليف الأساسية داخل المملكة المتحدة. ولإثبات ذلك، تؤسس الاستوديوهات "شركة إنتاج سينمائي" (FPC) منفصلة لكل فيلم.
هياكل الشركات
عادة ما تحمل شركات الإنتاج السينمائي هذه أسماءً رمزية حتى لا تلفت انتباه المعجبين. ونتيجة لذلك، تم إنتاج فيلم "دومينيون" بواسطة شركة "أركاديا بيكتشرز" التابعة لـ يونيفرسال، والتي سميت على اسم سفينة الإنقاذ في الفيلم السابق "فالن كينغدوم"، والذي تم تصويره أيضاً في المملكة المتحدة.
وكان يُطلق على شركة الإنتاج التي وقفت وراء هذا الفيلم الأخير اسم "أنشينت فيوتشرز"، في إشارة إلى عملية الاستنساخ التي خلقت الكائنات.
يتم تقديم القوائم المالية على مراحل، تبدأ خلال مرحلة ما قبل الإنتاج وتستمر إلى ما بعد العرض الأول بوقت طويل، لمنح الشركة الوقت الكافي لجمع كافة فواتيرها واستلام مستحقاتها.
أظهرت أحدث البيانات أن تكاليف "أركاديا بيكتشرز" خلال العام المنتهي في 31 ديسمبر 2024، بلغت 74.9 مليون دولار، مما رفع التكلفة الإجمالية للفيلم إلى 658.8 مليون دولار.
تحليل النفقات
كانت إحدى أكبر التكاليف المنفردة هي رواتب الموظفين، والتي بلغت ذروتها بمتوسط 454 موظفاً شهرياً. ولا يشمل ذلك الموظفين المستقلين والمقاولين والموظفين المؤقتين، إذ لا يتم إدراجهم في دفاتر الشركات البريطانية على الرغم من أنهم يمثلون في كثير من الأحيان غالبية العاملين في موقع التصوير.
وقد دفعت يونيفرسال 36.2 مليون دولار للموظفين، بالإضافة إلى الإنفاق على الخدمات داخل المملكة المتحدة مثل الأمن، وتأجير المعدات، والنقل، والتموين الغذائي.
ويبرر هذا الأثر الاقتصادي قيمة الاسترداد المالي، والتي بلغت 127.8 مليون دولار، مما خفض صافي النفقات الفعلية لشركة يونيفرسال على الفيلم إلى 531 مليون دولار.
عائدات التذاكر
تُعرف المبالغ التي تدفعها دور السينما للاستوديوهات باسم "رسوم التأجير"، ومن المتعارف عليه أنها تُقسم بنسبة 50-50، مما يمنح يونيفرسال 500 مليون دولار من حصيلة شباك التذاكر التي بلغت مليار دولار تقريباً.
وبعد خصم صافي نفقات يونيفرسال البالغة 531 مليون دولار، يسفر ذلك عن خسارة طفيفة في شباك التذاكر، غير أن حصة تذاكر السينما ليست العائد الوحيد للاستوديو؛ إذ يولد العمل أيضاً إيرادات من مبيعات "بلو راي"، وحقوق البث الرقمي، ومنتجات المقتنيات.
ومع احتساب الأجزاء الأخرى من السلسلة، حققت يونيفرسال أرباحاً إجمالية قدرها 300 مليون دولار بفضل حوافز الاسترداد الضريبي، التي لولاها لكانت الأرباح قريبة من الصفر.
المستقبل المجهول
يجري حالياً تطوير جزء تلو فيلم "ريبيرث". ونظراً لحجم الأموال التي حصلت عليها يونيفرسال من المملكة المتحدة، فمن المرجح جداً أن يعود التصوير إلى هناك.
وليست يونيفرسال الاستوديو الوحيد الذي يجني أرباحاً طائلة من هذا البرنامج؛ إذ ارتفع الإنفاق على إنتاج الأفلام الطويلة في المملكة المتحدة بنسبة 31% ليصل إلى 3.8 مليار دولار في العام الماضي. ويسد هذا البرنامج فجوة حاسمة، حيث يتوقع الخبراء أن تصل عائدات شباك التذاكر العالمية إلى 34.7 مليار دولار هذا العام، أي أقل بنسبة 18% عن ذروة عام 2019.
خطر التعريفات
إذا سارت الأمور وفقاً لما يريده الرئيس ترامب، فقد يسدل الستار على هذه الصفقات. ففي مايو من العام الماضي، أعلن ترامب عن نيته فرض تعريفة جمركية بنسبة 100% على الأفلام المنتجة في "أراضٍ أجنبية".
وحتى الآن، لم يتم تفعيل هذه السياسة، ولكن إذا تم تطبيقها وخسرت الاستوديوهات تمويلها البريطاني، فقد يترك ذلك فيلم "جوراسيك وورلد: دومينيون" متربعاً على عرش تصنيفات ميزانيات الأفلام لسنوات طويلة قادمة، ليس لتميزه الفني فحسب، بل كذكرى للحقبة التي وضعت فيها هوليوود مصيرها المالي في مهب الريح.