إذا كان هناك شيء أبدعت فيه السينما بشكل مطلق، فهو ليس الأداء ولا القصة، بل هي الانفجارات السينمائية.

يرتبط السؤال في العنوان بشعورنا عند مشاهدة مشهد الانفجار. هل يدب الذعر في أوصالنا عند مشاهدته؟ أم ننظر إليه بلا مبالاة؟

ذلك يعتمد على رؤية المخرج الفنية وقدرته على نقل الانفجار بنجاح من النص الورقي إلى الشاشة، وتمكنه من جعل الانفجار جزءاً من تجربتنا السينمائية، لو لم تتحقق هذه العناصر الثلاث فغالباً سننسى الانفجار بمجرد انتهاء الفيلم.

يستوجب الانفجار نفسه ثلاثة عوامل:

قوة، وزن، سياق وردة فعل.

لقطة انفجار من فيلم «السلاح الفتاك 3»

من أشهر انفجارات السينما الذي شاهدناه في فيلم السلاح الفتاك 3 عام 1992، عندما فجر المخرج ريتشارد دونر مبنى بلدية أورلاندو القديم دون المساس بالمبنى الجديد الواقع بجانبه.

تتجلى خطورة المشهد في أنه استخدم متفجرات حقيقية في الهدم، والنقطة الأهم تصوير المشهد من زوايا عدة، لأن التفجير يحدث مرة واحدة فقط، ولا يمكن إعادته.

ويظهر المشهد حقيقياً لأن الحطام يتطاير بشكل لا يمكن تخمينه، والنيران تشتعل بشكل طبيعي. ويحدث المشهد في سياق كوميدي، حيث يتوقع المشاهد نجاح الشرطيين مارتن وروجر (ميل جيبسون وداني جلوفر) في إبطال القنبلة، ولكنهما يخفقان بسبب غباء مارتن ويهربان.

مشهد انفجار المقدمة في داي هارد 3 عام 1995 لا يمكن تخمينه، لأن تسبقه مشاهد متنوعة لمدينة نيويورك في صيف حار، وألحان أغنية مرحة عن حرارة الصيف تنتهي عند 6 أفنيو بانفجار واجهة متجر «بون ويت تيلر»، الانفجار أصبح مضرب مثل من شدة إتقانه، حيث قلب السيارات الواقفة أمام المتجر، وتم تصويره من زوايا عدة، أبرزت تفاصيله.

ترك هذا المشهد أثراً عميقاً في الذاكرة العاطفية الأمريكية كون الفيلم نفسه يدور حول إرهابي يفخخ مناطق في نيويورك بالمتفجرات جاء بعد شهر بالضبط على تفجير أوكلاهوما ستي، الذي قضى فيه 168 شخصاً وكان بتدبير تيموثي مكفيه.

في نهاية التسعينيات وبداية الألفية طبقت هوليوود نظاماً هجيناً لمشاهد التفجيرات، يجمع بين المتفجرات الحقيقية والمؤثرات الخاصة، كان الغرض منه تضخيم تأثير المتفجرات.

لقطة انفجار من فيلم «باتمان: فارس الظلام»

من أبرز أفلام المرحلة فارس الظلام 2008 الذي شاهدنا فيه مشهد انفجار المستشفى، والذي تطلب هدم مبنى حقيقي بواسطة متفجرات و خروج هيث ليجر (جوكر) بتوقيت محدد، ليبدو الانفجار خلفه.

رقمياً، عمل كريستوفر نولان على إطالة مدة الانفجار، ليمتد على مشهد كامل بدل أن يكون لحظة سريعة محدودة.

لقطة انفجار من فيلم «مهمة مستحيلة: بروتوكول الشبح»

وبينما حملت أفلام أخرى انفجارات بلمسات رقمية مثل مهمة مستحيلة: بروتوكول الشبح وباد بويز 2 إلا أننا نلاحظ أن اللمسات الرقمية لا تحمل أي قيمة إذا لم تقترن بالنص أو أن تكون طريقة لتحسين المشهد.

بدخول العقد الثاني من الألفية فقدت الانفجارات وزنها بصرياً وشعورياً وحتى جمالياً، إذ ركز صناع الأفلام على السيطرة الكاملة للمشهد، وعدم ترك أي مجال للانفجار الطبيعي، فكانت النتيجة أفلاماً مثل «المنتقمون: إند جيم»، ورجل من حديد (سوبرمان) و«إف 9»من سلسلة فاست اند فيوريوس. اتسمت هذه الأفلام بانفجارات رقمية مرسومة ومصممة بالكامل في الذهن، غير محدودة في الحجم، ويمكن إعادة مونتاجها لتناسب مزاج المخرج.

لم تعد للمقاومة الفيزيائية أي حسابات والأشياء تتطاير وكأنها لا وزن لها، لهذا السبب كل الانفجارات الرقمية الحديثة رغم ضخامة حجمها تظهر ضعيفة التأثير في نفس المشاهد.

لماذا تظهر الانفجارات السينمائية القديمة أفضل على الشاشة من الانفجارات الرقمية الحديثة؟ بتحليل فني بسيط نختصره في ثلاثة أسباب:

1 -الكاميرا تحترم الانفجار وتلتقطه كاملاً من زوايا عدة.

2 -بيئة الانفجار ومحيطه يستجيبان له بشكل طبيعي.

3 -هناك خطورة محسوسة في الشاشة ترهب القلب رغم أنها داخل الشاشة ولن تصل إلى المشاهد.

هناك أيضاً ثلاثة أسباب تجعل الانفجارات الرقمية ضعيفة:

1 -قطعات المونتاج سريعة جداً لا يستوعبها العقل، فيضيع سياق المشهد.

2 -فرض العناصر الرقمية المولدة بالكمبيوتر على الصورة الحية يفقد المشهد واقعيته ويدخله في السياق الكرتوني.

3 -يفقد المشهد عامل الوضوح المكاني فلا يستوعب المشاهد حجم الانفجار ونطاق تأثيره في المكان الذي وقع فيه داخل اللقطة.