أفلام اقتحام المنازل من أجمل الاتجاهات الفرعية في السينما، فهي تعكس أنواع القلق الذي يعتري البشر نتيجة التغييرات الاجتماعية والديموغرافية وأحياناً حتى السياسية.

ما بدأ بمعركة بسيطة بين خير وشر تطور إلى محاولات استكشاف معقدة للطبقية والعدمية وهشاشة المساحة الآمنة. في البدايات كانت هذه الأفلام تشويقية بسيطة عن جريمة، لكن مع الوقت تحولت إلى مصائد نفسية ثم إلى ما يشبه صراعاً للبقاء. وأخيراً إلى أفلام مطاردة منزلية ذات حبكات ذهنية مبتكرة.

العامل الرئيس الذي تغير عبر العقود هو «الكلوسترفوبيا»، أو ما يعرف بـ«رُهاب الأماكن المغلقة أو الضيقة»، فقد تعلم صناع الأفلام أن حبس الشخصيات داخل بيت يخلق تجارب سينمائية قوية.

على عكس الكثير من الأنواع الأخرى، بدأت أفلام اقتحام المنازل كما نعرفها اليوم في منتصف الخمسينيات، وتحديداً في فيلم Suddenly عام 1954 عندما اقتحم فرانك سيناترا منزل عائلة بينسون المطل على محطة قطارات لاغتيال الرئيس الأمريكي الذي من المفترض أن يتوقف في المحطة.

رغم أن فيلم Key Largo عام 1948 كان عن احتجاز رهائن في فندق بفلوريدا، إلا أن بطله همفري بوغارت عاود الظهور مرة أخرى في فيلم اقتحام منزل وهو The Desperate Hours عام 1955. الفرق أن بوغارت كان ضحية في الأول وتحول إلى المجرم في الثاني.

الأفلام المذكورة لم تكن شيئاً مميزاً أو لافتاً للانتباه كونها صنفت في ذلك الوقت أفلام جريمة عادية اندرجت ضمن موجة «نوار» التي سادت وتسيدت بعد الحرب العالمية الثانية وأصبحت مدرسة فنية في سينما الجريمة في هوليوود. هذه الأفلام عالجت اقتحام المنازل كسيناريو جريمة وليس رعباً. وقد حملت سمات بارزة مثل:

- مجرمين يحتجزون عائلة في منزلها أو فندق.

- محاولة تدخل من الشرطة.

- توليد التوتر والتشويق من مشاهد المفاوضات والخديعة المحتملة.

لكن عام 1967 وفي وقت انحسار موجة «نوار» التي أخذت قوتها من صيغة الأبيض والأسود، جاء الفيلم الذي أسس لتصنيف اقتحام المنازل بشكل مستقل وهو Wait Until Dark من بطولة أودري هابرن.

هذا الفيلم الأول الذي حول المنزل إلى ساحة معركة، وقدم شخصية بإعاقة جسدية كبطل للقصة. هيبرن في دور امرأة عمياء تحارب المجرمين الذين دخلوا منزلها صنع إحدى أولى تجارب كلوسترفوبيا في السينما الحديثة. وقد استعارت الكثير من الأفلام هذه الفكرة في العقود اللاحقة.

في حقبة السبعينيات وانعكاساً لانتشار الجريمة في المدن الأمريكية نتيجة التوترات السياسية لمغامرات واشنطن الخارجية والمشاكل الاجتماعية، فقد تغيرت نبرة الأفلام نحو الواقعية القاسية وانهيار النظام المدني.

الأفلام هنا ألغت الغرض من الجريمة (اقتحام المنازل) وركزت على عامل الرعب والإرهاب الذي ينتاب الشخصيات التي تتعرض للملاحقة داخل منازلها. ومن أبرز الأمثلة هنا فيلم Straw Dogs عام 1971.

هذا الفيلم أثار جدلاً بشدة عنفه وشخصياته المضطهدة، ولا عجب لو عرفنا أن مخرجه سام بيكنباه كان من النوع الذي إذا تولى إخراج فيلم دفع شخصياته إلى آخر حدودها.

في عقد التسعينيات انتقل تصنيف أفلام اقتحام المنازل من فئة الجريمة إلى الرعب وتحولت هذه الأفلام إلى رعب نفسي بامتياز، وأبرز مثالين Cape Fear وFunny Games. هذان الفيلمان بدآ استكشاف قساوة النفس البشرية، فلم يعد المقتحمون مجرد غزاة ولكنهم صاروا خليطاً من السادية والمخادعين والوحوش المعتنقين لمذاهب فلسفية.

فيلم Funny Games عام 1997 تحديداً شهد التغير الجذري لهذا الاتجاه بإزالة البطل المنقذ بشكل كامل وجرد السيناريو من صيغة التشويق المعروفة. وبدلاً من ذلك اعتنق موضة تعذيب الشخصيات نفسياً وجسدياً.

واستمر هذا الوضع في فترة الألفية حين عادت الأفلام إلى البساطة لكن ركزت على الخوف والأجواء القاتمة. كان من السمات البارزة لأفلام هذه الحقبة قلة الشخصيات، وإضفاء غموض شديد على دوافع المجرمين وإظهارهم بأقنعة مخيفة أو تشبه رؤوس حيوانات، فضلاً عن مشاهد طويلة صامتة.

ولعل أبرز عبارة اشتهرت من فيلم The Strangers عام 2008 هي: Because you›re home، لأنك في المنزل، عندما سأل الضحية المجرم عن دوافعه، والتي تبسط أو تلغي الدوافع التي قد يبحث عنها المشاهد لفهم أسباب الجريمة.

العبارة تشير بشكل مباشر إلى أن الاقتحام عشوائي، وعامل كلوسترفوبيا حاضر بقوة إذ إن المشاهد يركز في الخلفية المظلمة يبحث إن كان هناك شخص واقف في الظلام.

في العقد الثاني من الألفية حدث شيء مثير للاهتمام، فقد قلب صناع الأفلام المعادلة، ففي عام 2016 طرح فيلمان متشابها السمات، Don›t Breathe لا تتنفس، وHush.

الفيلمان يجعلان المقتحم هو الضحية الذي يتعرض للتعذيب داخل المنزل أثناء ملاحقته. في «لا تتنفس»، يقتحم مراهقون منزل رجل أعمى فيتحول هو إلى وحش مفترس وهم إلى ضحاياه. والمنزل نفسه يتحول إلى متاهة.

وفي Hush تتعرض فتاة صماء إلى اقتحام يتعرض فيه المقتحم إلى تعذيب غير متوقع نتيجة الأفخاخ التي تنصبها له. نقطة مهمة نذكرها هنا أن مايك فلانغان صانع الفيلم طور قالب فيلم Wait Until Dark وحدثه للحقبة الرقمية مثبتاً أن السكون أقوى من أعلى صرخة.

وبقي أن نذكر مثالاً لأفلام تميزت بتوظيف التقنية كعامل مساعد للشخصيات وجزء من أجواء التوتر والرعب، مثل Panic Room وThe Purge. ومن سمات هذه الأفلام وجود غرف آمنة داخل المنزل وكاميرات فيديو مراقبة وأنظمة أمنية.