طغى حضور منصات البث التدفقي (نتفليكس وأخواتها) على حياتنا، فما هو موجود بضغطة زر يُغني عن ركوب السيارة لحضور فيلم في السينما. الأمر لا يقتصر على الذهاب وإنفاق الأموال لمشاهدة فيلم، فما حققته منصات البث من جودة في الإنتاج، جعل الأفلام السينمائية تبدو وكأنها في الزمن الخطأ.

الأمثلة كثيرة جداً من حولنا، وهناك دراسات حالات Case Studies، تدرس في جامعات الغرب، عن التحولات الكبيرة التي أحدثتها منصات البث في سلوك المستهلكين، وأثرها حتى في استراتيجيات استوديوهات هوليوود. سنتناول حالة واحدة فقط في هذه السطور، وهي ظاهرة فيلم western أو الكاوبوي الأمريكي.

يعد «الويسترن» أحد أعمدة سينما هوليوود، منذ أن بزغ فجرها قبل الحرب العالمية الأولى، واستحوذ على قلوب الجماهير من آخر الثلاثينيات، ووصل إلى ذروته في الخمسينيات، عندما أصبح الراحل جون وين رمزاً للكاوبوي.

كانت أفلام الويسترن في تلك الحقبة الأكثر إنتاجاً، والرغبة في مشاهدتها عارمة، وكان أساطيرها كثر، لكن الأسماء البارزة آنذاك كانت جون وين وجون فورد، اللذان سيطرا على موجة يمكن وصفها بالمحافظة من الويسترن، وبرزت أفلام مثل Stagecoach عام 1939، وShane في 1953، وThe Searchers عام 1956، والأخير ما زال ملهماً لأي صانع أفلام اليوم.

كان هناك خوف في البداية من سحب التلفزيون البساط من تحت السينما، لكن آنذاك التلفزيون كانت له حدود إطاره الضيق، وهذه العبارة حرفياً تعني الشاشة الصغيرة. بينما السينما أخذت تتفاخر على التلفزيون بأنها الشاشة العريضة، ولم تكتفِ بذلك، بل اخترعت استوديوهات فوكس سينما سكوب وجاءت استوديوهات باراماونت بـ «فيستا فيجن»، وكلها شاشات عريضة سحقت محاولة التلفاز ليكون بديلاً. بعد 60 عاماً، جاءت منصات البث إلى الوجود. بدأت بعرض أفلام قديمة، ثم تحولت إلى الإنتاجات الأصلية.

اتبعت نتفليكس طريقة عشوائية لصنع كل شيء، وعدم التركيز على صنف بعينه. لكن استوديوهات باراماونت، والتي لديها باع طويل في إنتاج الويسترن في الخمسينيات، وضعت استراتيجية خاصة لإعادة إنتاج الويسترن بشكل مسلسلات، تواكب توجهات الجماهير هذه الأيام.

وولد مسلسل «يلوستون» (Yellowstone) عام 2018، والذي استحوذ على قلوب الأمريكيين بجميع أطيافهم السياسية، وكذلك عشاق قصص الكاوبوي على الكوكب. كان يلوستون عبارة عن رواية بصرية ممتدة، كان ملحمة بكل المعاني.

قصة عائلة داتون الأمريكية في هذا الزمن، تعيش في مزرعة ضخمة في مونتانا، وتحمي المزرعة وإرثها من محاولات الاستيلاء عليها. أسقط يلوستون الحدود التقليدية بين شاشة العرض العملاقة وشاشة غرفة المعيشة، وتحولت حلقاته من «حلقات منفصلة»، إلى «أفلام ملحمية» مجزأة.

لم تكتفِ باراماونت بذلك، وعرضت على كاتب ومؤلف يلوستون، تيلر شيريدان، تمويل وإنتاج كل أفكاره، مقابل عرضها حصرياً على منصتها باراماونت بلاس.

فجاء شيريدان بكلاسيكيتين رائعتين، كل واحدة نسخة تمهيدية ليلوستون، مسلسل قصير يسمى 1883، وهو يشير إلى عام هجرة جيل من عائلة داتون من تكساس إلى مونتانا.

والآخر 1923، عن جيل سابق من نفس العائلة، يحاولون حماية مزرعتهم من المخاطر والمؤامرات المحيقة بهم. بذكر هذه الأمثلة، فنحن لا نتعامل مع «دراما تلفزيونية» بالمعنى القديم، نحن أمام كادرات سينمائية واسعة (Wide Shots) للمراعي الجبلية في «مونتانا»، وميزانيات إنتاجية تتجاوز 10 ملايين دولار للحلقة الواحدة، وأداء تمثيلي من عيار «كيفن كوستنر» و«هاريسون فورد»، يعيد للأذهان زمن العمالقة.

في 1883 تحديداً، تشعر أنك تشاهد فيلماً كلاسيكياً طويلاً من فئة «الويسترن» (Western)، لكنه يملك رفاهية الوقت. فبينما يضطر الفيلم السينمائي لضغط رحلة القافلة في ساعتين، يمنحنا المسلسل 10 ساعات لنشعر بغبار الطريق، ونسمع صمت البرية، ونشهد تحول الشخصيات ببطء، تماماً كما تُبنى الروايات العظيمة.

السينما اليوم باتت محكومة بإيقاع سريع، لضمان عدد العروض اليومية، بينما المنصات منحت المخرجين (مثل شيريدان)، حق المساحة لإفراد حوارات هادئة أو لحظات شاعرية، أو لقطات جمالية في المسلسل، كانت السينما تضطر لقصها في غرفة المونتاج، لضمان «الآكشن» وضبط الإيقاع العام للفيلم. لم يعد الجمهور يبحث عن «الخطاف» (Cliffhanger) التقليدي في نهاية كل حلقة، بل بات يشاهد الموسم كاملاً ككتلة واحدة (Binge-watching). هذا التغيير في سلوكنا، حوّل المسلسل إلى «فيلم ممتد».