"هل يمكن للصمت أن يختصر كل مشاعر العالم في نظرة واحدة؟ في تاريخ السينما العالمية، هناك أفلام تمر مرور الكرام، وهناك أضواء المدينة (City Lights)؛ التحفة التي صاغها العبقري تشارلي شابلن لتظل عصية على النسيان لأكثر من 95 عاماً.
لا يتوقف الحديث اليوم عن هذا الفيلم لكونه مجرد كوميديا صامتة كلاسيكية، بل لأن نهاية فيلم أضواء المدينة تُصنف بالإجماع كـ أعظم نهاية في تاريخ السينما.
لماذا اعتبرها مخرجون عمالقة مثل ستانلي كوبريك وأورسون ويلز مرجعهم الأول؟ وكيف استطاع شابلن، بـ شخصية المتشرد (The Tramp)، أن يتحدى عصر الأفلام الناطقة ويقدم أداءً تمثيلياً يدرّس حتى اليوم في أكبر أكاديميات الفنون؟ في هذا التقرير، نغوص في كواليس المعاناة الإبداعية ونكشف السر وراء تلك الابتسامة التي لا تزال تُلهم أهم أفلام هوليوود الحديثة."
بعد مرور خمسة وتسعين عاماً على صدوره، لا يزال فيلم الكوميديا الرومانسية "أضواء المدينة" يُستشهد به كواحد من أعظم الأفلام التي صُنعت على الإطلاق. وعندما سألت مجلة "لايف" تشارلي شابلن في عام 1966 عن فيلمه المفضل، منح الشرف لهذا العمل، قبل أن يقلل من شأن إنجازه بتواضع قائلاً: "أعتقد أنه عمل متماسك ومتقن الصنع".
ومنذ عرضه الأول في "لوس أنجلوس ثياتر" في 30 يناير 1931، تقع شخصية "المتشرد" في حب فتاة زهور عمياء (فرجينيا شيريل)، التي تظنه بالخطأ مليونيراً، في قصة كلفت إنتاجياً 1.5 مليون دولار (حوالي 30 مليون دولار بمعايير اليوم)، لكنها حققت إيرادات ضخمة تجاوزت 5 ملايين دولار وقت إصدارها، متحدةً ظروف "الكساد العظيم".
وعندما أصدر "بريتيش فيلم إنستيتوت" قائمته الشهيرة الأولى لأعظم الأفلام عام 1952، جاء "أضواء المدينة" في المركز الثاني مكرر مع فيلم شابلن الآخر "ذا غولد راش" (1925)، والذي كان قد حقق بدوره أرباحاً بلغت 4 ملايين دولار.
اللحظة المعنية من الفيلم تأتي في النهاية مباشرة؛ حيث يلتقي "المتشرد" بالفتاة التي استردت بصرها، فيحدق بها بحب وتأثر بينما تتلاشى الصورة إلى السواد.
إنها لقطة مفعمة بالعاطفة الصافية لدرجة أن كاتب سيناريو فيلم "ذا نايت أوف ذا هنتر"، جيمس آجي، وصفها بأنها "أسمى لحظة في تاريخ الأفلام".
لقد استغرق صنع هذا التسلسل الختامي سنوات من الكدح، حيث يُشاع أن شابلن المهووس بالكمال أعاد تصوير مشهد اللقاء الأول بين المتشرد والفتاة 342 مرة.
وتكتمل الدراما حين يحصل المتشرد على المال من مليونير ليعالج عما الفتاة، قبل أن يُعتقل ويقضي أشهراً في السجن.
وعندما يخرج، يجدها تدير متجر زهور ناجحاً، لتبدأ تلك المواجهة الصامتة التي دفعت بفيلم مثل "العراب" (1972) – الذي حقق إيرادات إعجازية بلغت 285 مليون دولار بميزانية 6 ملايين فقط – لمحاولة ملاحقة هذا العمق التأثيري في لقطاته الختامية.
ويعتقد تشارلز مارلاند، مؤلف كتاب "بي إف آي كلاسيكس"، أن المشهد الختامي هو الدليل القاطع على براعة شابلن؛ حيث تضيق الكاميرا من لقطة متوسطة إلى "كلوز أب" لتكثيف الأثر. ويروي جيفري فانس أن شابلن وصف التصوير بأنه "شعور جميل بعدم التمثيل"، لدرجة أن البطلة شيريل شعرت برطوبة راحة يد شابلن من شدة انفعاله الصادق بالشخصية.
هذا الأداء ترك تأثيراً مستداماً في أفلام متنوعة، من "مانهاتن" لـ وودي آلن الذي حقق 40 مليون دولار، وصولاً إلى فيلم "مون لايت" (2016) الذي حصد 65 مليون دولار بميزانية ضئيلة.
أحد الأسباب الحيوية لاستمرار صدى الفيلم هو غموض نهايته؛ فبينما يرى الرومانسِيون قبولاً، يرى آخرون خيبة أمل الفتاة حين اكتشفت حقيقة فقر منقذها. حتى إن عالم الفيزياء ألبرت أينشتاين، الذي حضر العرض الأول، شوهد وهو يمسح دموعه في هذه اللحظة، مما يؤكد أن لغة الصمت كانت أبلغ من الأفلام الناطقة.
وحتى أفلام الرسوم المتحركة الحديثة مثل "مونسترز إنك"، الذي حصد قرابة 577 مليون دولار، لم يجد بداً من "تحية" شابلن عبر إنهاء قصته بلقاء "سولي" و"بو" بنفس أسلوب التلاشي والابتسامة الموحية.
يظل "أضواء المدينة" عملاً نابعاً من الحب والمغامرة؛ فقد أصر شابلن على رفض الحوار رغم سيطرة الأفلام الناطقة، مراهناً على أن المتشرد كائن صامت بامتياز.
واليوم، وبعد قرابة قرن، يثبت النجاح التجاري والفني المستمر للفيلم أن البساطة التي سعى إليها شابلن هي أصعب وأثمن ما يمكن تقديمه على الشاشة الفضية.
