يبرز سؤال جوهري ملحّ على هامش فعاليات «آيكوم دبي 2025»، النقاشية والفكرية التخصصية المتنوعة، مفاده: كيف يمكن للمتاحف أن تصنع علاقة خلاقة فاعلة مع الجيلين: زد وألفا، بما يعزز هويتهما الثقافية والوطنية وسط عالم سريع التغير؟

«البيان» استطلعت آراء مجموعة خبراء مشاركين في المؤتمر، الذين أكدوا أن المتحف لم يعد مجرد مؤسسة تحفظ التراث، بل منصة مجتمعية لها تأثير مباشر في تشكيل وعي الأجيال الجديدة، إلا أن جيلَي زد وألفا يتلقيان المعلومات بصرياً وسريعاً، ما يفرض على المتاحف التفكير بمنطق «التجربة الحسية» المعززة بالواقع الافتراضي، عبر توظيف التكنولوجيا والتقنيات الحديثة، إلا أن ذلك يفرض.

كما قالوا، تحدياً يتمثل في عدم التفاعل بطريقة تعزز ترابطهم مع هويتهم وتاريخهم. وخلصت آراء المتحدثين إلى أنه هناك 6 خطوات عملية لتعزيز علاقة الأجيال الجديدة بالمتاحف، وهي:

تطوير سرد بصري تفاعلي يلبي توقعات الجيل الرقمي، ودمج تقنيات الواقع المعزز والافتراضي لإحياء التاريخ والقصص الوطنية، وبناء برامج شراكة مدرسية وجامعية تمتد على مدار العام، وتأسيس مجالس شبابية استشارية تشارك في تطوير المعارض، وتقديم محتوى رقمي قصير ومؤثر عبر منصات التواصل، وربط الحكايات الوطنية بتجارب شخصية تخلق علاقة وجدانية بين الشباب وتراثهم.

كما أوضح المشاركون أن التحدي الذي كشفه «آيكوم دبي 2025» يتمثل في كون المتاحف لن تبقى مؤثرة ما لم تتجدد وتقترب من عالم الشباب، مشيرين إلى أن الذاكرة الوطنية لا تنقل بالكتب وحدها، بل بالتجربة، وبحوار حي.

وبقدرة المتحف على أن يكون مساحة يجد فيها الجيل الجديد صورته وجذوره ومستقبله، فبهذا التحول، يمكن للمتاحف أن تصبح جزءاً أصيلاً من رحلة تشكيل الوعي والانتماء لدى جيلَي زد وألفا، وأن تظل شريكاً أساسياً في صناعة الهوية الوطنية لعقود مقبلة.

يقول كميل المصلي، مسؤول في متاحف المملكة العربية السعودية، إن الجيلين «زد وألفا» لا يتفاعلان مع المتاحف بالأسلوب التقليدي، مشيراً إلى أنهما يبحثان عن تجربة حية، قصة تروى، ومكان يشعران فيه بالانتماء. وأوضح أن المتحف الذي لا يتحدث لغتهما، لا سيما عبر توظيف الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة سيفقد دوره في تشكيل هوية مجتمع المستقبل.

وترى الدكتورة غادة عبيدو، الأستاذة في جامعة عين شمس، أن جذب الأجيال الجديدة يبدأ من السرد البصري، مشيرة إلى أن هذه الأجيال تتلقى المعلومات بصرياً وسريعاً، ما يفرض على المتاحف التفكير بمنطق «التجربة الحسية».

وأضافت: إن جيل Z ينجذب إلى المحتوى القصير، الغامر، والتفاعلي، وإذا لم تقدم المتاحف قصصها عبر وسائط بصرية وتقنيات جذابة، فستظل بعيدة عن خيال الشباب. بدوره.

يؤكد آرثر جي أفليك، الرئيس والمدير التنفيذي لجمعية متاحف الأطفال في الولايات المتحدة الأمريكية، أن المتاحف التي تبنت تجارب الواقع المعزز والخرائط التفاعلية سجلت زيادات واضحة في عدد الزائرين من الفئات العمرية الصغيرة، مشدداً على أن سرد القصص المرتبط بالتجارب الإنسانية والتاريخ المحلي هو الطريق الأسرع إلى عقل الجيل الجديد.

ويوضح أن أفراد هاتين الشريحتين عندما يزورون المتحف يرون حكايات أجدادهم، أو أنهم يحفظون موروثهم الشعبي، أو يحولون الحرف التقليدية إلى تجارب غامرة، فيتكون الانتماء لديهم تلقائياً. ولفت إلى أن الهوية تُبنى حين يجد الشباب ما يتماشى معهم ويعكس هويتهم داخل المتحف.

ترى أبهرامي سوريش، منسقة المشاريع القيّمة -قسم التعليم- وقيّمة برنامج «جمعية الشباب» في مركز جميل للفنون بدبي، أن جيل ألفا يختلف عن جميع الأجيال السابقة لكونه مولوداً داخل الفضاء الرقمي.

وتتابع: إن هذا الجيل يستخدم الأجهزة الذكية قبل حتى أن يلتحق بمراحل التعليم الأولى، لذلك يجب أن يكون المتحف بالنسبة له تجربة رقمية مبهرة، مختصرة، وسهلة التفاعل، دون أن تفقد رسالتها التربوية.

وتؤكد أن بناء الهوية عند جيل ألفا يحتاج مزيجاً من: التعليم البصري، المشاركة، والقصص القصيرة ذات التأثير، كما تشير إلى وجوب إطلاق برامج مشتركة بين المدارس والجهات المختصة بالمتاحف والتراث. وتقترح تبني نماذج تشاركية طويلة المدى مع الطلاب.

مجالس شبابية

تقول الدكتورة جولي هيغاش، أستاذة فخرية بجامعة ريتسوميكان في اليابان، إن إشراك الطلاب في تصميم المعارض أو صناعة المحتوى لا يخلق فقط زواراً، بل شركاء في صناعة الذاكرة، وهذه الشراكة هي أقوى طريقة لغرس الانتماء، من خلال تكوين «مجالس شبابية» تقدم استشارات في تصميم البرامج والأنشطة المتحفية.