حوّلت المعلمة الإماراتية، وفاء ناصر الشامسي، خواطر بدأت كتابتها وهي طالبة في الصف العاشر، إلى إصدار أدبي يحمل عنوان «ما بين سطور قلبي.. بوح وأحاسيس»، توثّق من خلاله رحلة إنسانية، امتدت من مقاعد الدراسة إلى الحياة الجامعية، ثم ميدان التعليم والأمومة، في تجربة تعكس قدرة الكتابة على حفظ الذكريات والتعبير عن التحولات، التي يعيشها الإنسان عبر مراحل عمره المختلفة، كما تجسد فيه مدى عشقها وطنها وتمسكها بقيم المكان والهوية.

يضم الكتاب، الصادر في طبعته الأولى عام 2026، مجموعة من الخواطر والنصوص الوجدانية، التي كتبتها الشامسي على مدار سنوات، وتتناول الحياة وتجاربها، والأسرة والوفاء، والصداقة والعلاقات الإنسانية، والأمل والطموح، والتعليم والطالبات، وحب اللغة العربية والهوية الوطنية، إلى جانب مشاعر الحب والحنين والفقد والامتنان، لتقدم من خلالها سيرة شعورية، ترصد انتقالها من فتاة تبحث عن صوتها الخاص إلى معلمة تسعى إلى غرس حب الكلمة في نفوس الأجيال.

وأكدت الشامسي أن إصدار كتابها الأول يمثل محطة مهمة في مسيرتها الشخصية والتربوية، موضحة أن فكرة الكتاب لم تولد في لحظة واحدة، وإنما بدأت بخواطر كانت تكتبها في الصف العاشر، عندما وجدت في الكتابة مساحة للتعبير عن مشاعرها وأحلامها، قبل أن تتطور تجربتها مع انتقالها إلى الجامعة، ثم دخولها ميدان التعليم، لتصبح النصوص التي احتفظت بها على مدار السنوات شاهداً على مراحل مختلفة من حياتها.

وقالت: «ثمة كتب نقرؤها، وثمة كتب نشعر أنها عاشت طويلاً قبل أن تصل إلينا، وكتابي الأول ينتمي بالنسبة إليّ إلى النوع الثاني؛ فهو لم يولد في لحظة كتابة واحدة، بل وُلد معي، وكبر معي، وتغيّر كما تغيّرت، حتى أصبح بين دفتيه شيء من عمري، وملامح الإنسانة التي صنعتها السنوات».

وأضافت أن انتقالها من مقاعد الدراسة إلى مهنة التعليم منح تجربتها الأدبية أبعاداً جديدة، إذ لم تعد الكتابة مجرد وسيلة للتعبير عن الذات، بل أصبحت امتداداً لرسالتها التربوية، وأداة لتعزيز ارتباط الطالبات باللغة العربية، وإلهامهن للتعبير عن أفكارهن ومشاعرهن، والإيمان بقدرتهن على تحويل أحلامهن الصغيرة إلى إنجازات حقيقية.

من الطالبة إلى المعلمة

وأوضحت الشامسي أن مهنة التعليم تحتل مساحة خاصة في كتابها، باعتبارها إحدى المحطات التي أسهمت في تشكيل شخصيتها، مشيرة إلى أن سنوات عملها في الميدان التربوي لم تكن مجرد تجربة وظيفية، وإنما رحلة إنسانية تركت أثراً عميقاً في وجدانها، وعززت إيمانها بأن المعلم لا يقتصر دوره على نقل المعرفة، بل يمتد إلى بناء شخصية الطالب، واكتشاف مواهبه، وتعزيز ثقته بنفسه.

وأشارت إلى أنها خصصت خاطرة بعنوان «في عيونكن أرى حلمي» للحديث عن طالباتها وعلاقتها بهن، وما تمثله اللغة العربية من قيمة في حياتها المهنية والشخصية، مؤكدة أنها ترى في طالباتها امتداداً لأحلامها وطموحاتها، وأن قربها الإنساني منهن جعلها تصفهن بأنهن «قطعة من قلبي».

ولفتت إلى أن تجربتها مع الكتابة بدأت عندما كانت طالبة تتعلم تكوين الكلمات والتعبير عن مشاعرها، قبل أن تصبح معلمة تسعى إلى نقل هذا الشغف إلى طالباتها، مؤكدة أن اللغة العربية ظلت الخيط الذي يربط مختلف مراحل حياتها، من الطفولة والدراسة إلى التعليم والتأليف.

الأسرة.. جذور الحكاية

وتحتل الأسرة مساحة محورية في الكتاب، إذ تستعيد الشامسي ذكريات والدها الراحل، وأثره في بناء شخصيتها وتعزيز قوتها، إلى جانب حضور والدتها بدعائها وحنانها، وإخوتها وأخواتها، الذين تصفهم بأنهم الجذور التي تنتمي إليها، مؤكدة أن العلاقات الأسرية تمثل أحد أهم مصادر الاستقرار والدعم الإنساني.

وأوضحت أن انتقالها إلى مرحلة الزواج والأمومة أضاف إلى تجربتها الأدبية مشاعر جديدة، تجمع بين الحب والمسؤولية والخوف والأمل، مشيرة إلى أنها خصصت لأبنائها كلمات تعبّر عن مكانتهم في حياتها، باعتبارهم نبض قلبها وفرح أيامها، والدافع الذي يمنحها القدرة على مواصلة الحلم والكتابة.

وبيّنت أن الكتاب يتناول كذلك تجارب الفقد والحنين والصداقة، وما تتركه العلاقات الإنسانية من آثار في حياة الإنسان، إلى جانب خواطر تتناول القدرة على تجاوز الصعوبات، وتحويل العثرات إلى فرص للنهوض والنجاح.

الوطن والهوية

ويحضر حب الإمارات والانتماء إليها في الكتاب من خلال نصوص تعبّر عن ارتباط الشامسي بوطنها واعتزازها بهويتها الوطنية، ومن بينها خاطرة «عشق لا ينتهي»، التي تتناول فيها مشاعر الوفاء للوطن، وأثر القيم التي غرسها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في وجدان أبناء الإمارات.

وأكدت الشامسي أن الوطن واللغة العربية يمثلان جزءاً أصيلاً من هويتها، وأن الكتابة عنهما تعكس ارتباطها بالقيم التي نشأت عليها، ورغبتها في نقل هذه المعاني إلى الأجيال الجديدة، مشيرة إلى أن اللغة العربية ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل وعاء للهوية والثقافة والإبداع.

رسالة إلى الأجيال

وشددت الشامسي على أن إصدار كتابها الأول يحمل رسالة إلى الطلبة والشباب، مفادها أن الموهبة التي تبدأ في سن مبكرة يمكن أن تنمو مع الإنسان وتتحول إلى إنجاز ملموس، إذا منحها الوقت والاهتمام، ولم يتخلَّ عن شغفه أمام مسؤوليات الحياة وتحدياتها.

وقالت إن الطالبة التي بدأت كتابة خواطرها في الصف العاشر لم تكن تتخيل أن كلماتها ستتحول بعد سنوات إلى كتاب يحمل اسمها، موضحة أن هذه التجربة جعلتها أكثر إيماناً بأهمية تشجيع الطلبة على الكتابة والتعبير عن الذات، والاحتفاظ بمحاولاتهم الإبداعية الأولى، مهما بدت بسيطة في بدايتها.

وأضافت: «لا نعرف ونحن نعيش البدايات إلى أين يمكن أن تقودنا، فقد تبدأ الحكاية بخاطرة صغيرة تكتبها طالبة في الصف العاشر، ثم تمضي الأعوام، لتكتشف تلك الطالبة أن الكلمات التي كتبتها يوماً لم تكبر على الورق وحده، بل كبرت معها، حتى أصبحت كتاباً، وأصبحت هي الحكاية التي كانت تكتبها دون أن تدري».

واختتمت الشامسي بالتأكيد أن «ما بين سطور قلبي.. بوح وأحاسيس» ليس مجرد مجموعة من الخواطر، بل ذاكرة تحتفظ بمحطات من حياتها، وبأثر الأشخاص الذين أسهموا في تشكيل شخصيتها، من أسرتها ومعلميها إلى طالباتها وأبنائها، معتبرة أن وصول تجربتها إلى القارئ يمثل بداية جديدة لمسيرتها الأدبية، ورسالة بأن الأحلام التي تولد على مقاعد الدراسة قد تجد طريقها إلى النور، مهما طال الزمن.