أبوظبي - البيان

اتسمت دورة معرض أبوظبي الدولي للكتاب الـ35، الذي اختتمت فعالياته أخيراً، بملامح متميزة، من بينها رسوخ مكانته بوصفه ملتقى حضارياً دولياً وذاكرة إنسانية حيّة تنبض بقيم الانفتاح والإبداع، مجسداً صورة ونهج أبوظبي ودولة الإمارات عامة، حيث ضم جناح المقتنيات النفيسة روائع الثقافات، مستعرضاً نحو 110 كنوز أثرية، وفّرتها ثلاث شركات عالمية متخصصة هي «فوروم» و«إنليبريس» و«اقتناء»، فاتحاً آفاقاً واسعة أمام الزوار لاستكشاف كتب ومخطوطات وصور قيّمة تناقلتها أيدي الملوك والسلاطين والأمراء، وخطّها كبار العلماء والأدباء عبر القرون الماضية.

وتجلّت القيمة التاريخية المحلية والجغرافية للجناح من خلال ألبوم صور فوتوغرافية نادرة يضم 183 صورة توثق الزيارة الرسمية للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، إلى باكستان في العام 1967، إذ يبرز الألبوم مشاهد الاستقبال في المطار والاجتماعات والمآدب الرسمية برفقة شيوخ من دولة الإمارات وشخصيات باكستانية بارزة، من بينها الرئيس الباكستاني الأسبق يحيى خان. ويكتمل مشهد المنطقة بألبوم آخر التُقطت صوره بين العامين 1900 و1909 لشيوخ وشخصيات من الخليج العربي في مومباي ومسقط وعدن، لتقدم وثيقة بصرية واقعية عن ملامح تلك الحقبة التاريخية.

وتواصلت رحلة المعرفة التاريخية في الجناح بالوصول إلى أقدم المقتنيات المعروضة، وهو ملحمة «الإلياذة» للشاعر الإغريقي «هوميروس»، الذي كُتب باللغة الإغريقية على ورق البردي في منتصف القرن الثاني الميلادي، وانتقل عبر محطات زمنية مختلفة من مصر إلى إسطنبول وصولاً إلى أمريكا. وفي فضاء المخطوطات الإسلامية العتيقة، استوقف الزوار مخطوط «كتاب المكاتب» للعلامة أبي زيد القيرواني، المختص بأحكام عتق العبيد في الفقه المالكي بشرحه على النوادر والزيادات في المدونة؛ إذ خطّه الناسخون بين العامين 975 و1000 ميلادية بالخط القيرواني على ورق من جلد الثور.

واشتملت النفائس التي عرضها الحدث على وثيقة إعلان تاريخية تحمل ختم الجمهورية الفرنسية بين العامين 1750 و1810 للجنرال الفرنسي عبدالله جان منو، الذي أسلم وغيّر اسمه عقب مشاركته في الحملة الفرنسية على مصر برئاسة نابليون. وفي سياق التبادل الثقافي واللغوي، برز قاموس عربي-إسباني مخطوط بخط اليد أنجزه أنتونيو مانويل في العام 1700 في مدريد، وأهداه للملك كارلوس الرابع، والذي يتضمن أكثر من 500 كلمة إسبانية ذات أصول عربية.

وحضرت الجماليات الفنية والغربية في الجناح من خلال كتاب صلاة مسيحي يعود للعام 1844 صُمم في باريس ليحاكي صندوق الجواهر؛ إذ صُنع من الذهب ورصّع بالأحجار الكريمة مع أقفال فريدة طعّمت هي الأخرى بالياقوت. كما ضم الجناح «الكتاب الشرقي» للكاتب الأمريكي أنسون راندولف الصادر في العام 1862، الذي ضمّنه 20 لوحة زيتية تجمع بين المشاهد الطبيعية والأزياء التراثية التي كانت سائدة في تركيا.

وأضفت تيسير خلف الله، المختصة بالمخطوطات الإسلامية، أبعاداً حول أهمية هذه الكنوز بوصفها وثائق حية تحفظ تفاصيل حياة المجتمعات عبر حقب زمنية فائتة وتمنح زوار المعارض فرصاً نادرة للاطلاع على الثقافة الإنسانية، مشيرة إلى أن الجناح لقي إقبالاً لافتاً من قبل زوار معرض أبوظبي الدولي للكتاب واهتماماً بما عرضه من نفائس، وأنه تم حجز العديد من المخطوطات والكتب النادرة لشرائها من قبل مؤسسات وجامعات محلية وهيئات متخصصة باقتناء التراث الإنساني.