من خشبة المسرح إلى الشاشة، ومن ذاكرة جيلٍ إلى وجدان أجيالٍ متعاقبة، تمضي الفنانة القديرة منى واصف في مسيرةٍ تركت فيها لكل شخصيةٍ شيئاً من روحها، ولكل عملٍ أثراً يتجاوز زمنه.

لم تصنع تاريخها الخاص فقط، بل غدت واحدةً من العلامات الراسخة في الدراما والسينما العربية، تحمل شغف البدايات، وإيماناً بأن التمثيل أبعد من أن يكون مهنة؛ إنه ثقافة، وحكاية إنسان.

هي «السنديانة الدمشقية» التي كلما امتدت بها السنوات، تعمّقت جذورها في تربة الفن العربي، واتسع ظلها ليبلغ أجيالاً جديدة من المشاهدين. ولعلها لذلك تتحدث عن الشجر بحميمية خاصة، وهي تستعيد دبي التي عرفتها منذ سبعينيات القرن الماضي وما تركته على رمالها من خزائن الذكريات والأعمال الخالدة ، وظلت تعود إليها عاماً بعد عام، فترى أشجار دبي تكبر، والمدينة تكبر معها.

في هذا الحوار مع «البيان»، تقلّب منى واصف صفحاتٍ من ذاكرتها الفنية، من دمشق إلى تجربة «الرسالة»، ثم الأردن، وصولاً إلى دبي؛ فتستعيد مشاهد العوير، وأعمالاً أنتجها تلفزيون دبي، وذكرياتها مع مهرجانها السينمائي، قبل أن تتوقف عند واقع الدراما العربية، وأملها أن تستعيد الدراما السورية وهجها وحضورها الساطع في الساحة الفنية العربية.

تفتح منى واصف دفتر ذكرياتها مع دبي من بوابة الدراما، فتستعيد مسلسل «ساري العبدالله» عام 1977 الذي صوّرت مشاهد منه في العوير بدبي أدت خلاله شخصية أم ساري التي تجسد لوعة الأم المفجوعة بمرض ابنها، و«جواهر» الذي أُنتج عام 1994 وعُرض حصرياً للمرة الأولى على تلفزيون دبي، وجسّدت فيه دور «الشيخة مزنة»، ثم «صراع على الرمال» عام 2008 ، حيث أدّت شخصية «صِيتة» (أم فهد)، في عمل بدوي ضخم مستوحى من خيال وأشعار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله.

أفلام عربية وعالمية

ومن هذه الذاكرة، تؤكد أن دبي كانت ولا تزال سبّاقة في العمل الإبداعي، وتستذكر أن أول مهرجان حضرته فيها كان مهرجان دبي السينمائي، حيث شاهدت أفلاماً عربية وعالمية، وتعرّفت إلى نجوم كبار، في تجربة تصفها بأنها كانت مهمة جداً بالنسبة إليها ولمسيرتها.

وتقول: «دبي كانت دائماً سبّاقة في المهرجانات، ولم تصل إلى هذه القفزة من فراغ، فهي في الأصل كانت تبدع أعمالاً تلفزيونية، وأنا من الذين شاركوا في أعمال من إنتاج دبي، صُوّر بعضها هنا، وبعضها في الأردن واليونان».

وحين ترسم خريطة مسيرتها، تبدأ من سوريا، محطتها الأولى: «فيها اشتهرت، وأحبني الناس واحترموني». ثم تتوقف عند عام 1974، حين شاركت في فيلم «الرسالة» الذي صُوّر بين المغرب وليبيا، وتصفه بأنه «كان بمثابة معهد تعلمت منه الكثير» والفاصل بين المحطة الأولى والثانية. أما محطتها الثانية فتحددها في الأردن، مع مسلسل «دليلة والزيبق» الذي حقق شهرة واسعة.

وحين تصل إلى محطتها الثالثة، يتسلل الحنين إلى حديثها، فتعود إلى عام 1977: «كانت محطتي الثالثة دبي، وتحديداً منطقة العوير، ولا أنسى المشاهد التي صورتها هناك من مسلسل «ساري العبدالله» وفي ذلك الوقت لم أكن أعرف الخليج العربي».

وتضيف: «كانت زياراتي الأولى في الصيف، ومع ازدياد الإنتاج الفني في دبي صار قدومي إليها في الخريف، حين يكون الجو جميلاً. كل عام كنت أزورها وأشارك في عمل، وكان هناك دائماً مشروع ثقافي أكون جزءاً منه».

ومع توالي زياراتها إلى دبي، تشكّلت لدى منى واصف قراءة خاصة لنمو المدينة: «كنت ألاحظ كل عام أن الشجر يكبر مع دبي، ويكبر معه البناء والحضارة والثقافة، ويكثر الناس. كل سنة أشعر بأن هذه المدينة تمضي في تطور جديد، وحين تكبر مدينة مثل دبي، تحس بأنك أنت أيضاً تكبر بشكل أو بآخر، وتتطور».

وتختصر علاقتها بالمكان بجملة تشبهها: «علاقتي بالإمارات ودبي جميلة جداً، لأنني أؤمن بالشجر وهنا إلى جانب تشييد البناء زرعوا الشجر. فالشجر يجلب المطر، ويحيي الإنسان والأرض».

ولا تنفصل هذه الذاكرة عن علاقتها بالسينما، إذ تقول: «تربّينا في سوريا ولبنان على الفن والأفلام السينمائية، وعشنا أجواء المهرجانات وشاركنا فيها وحصدنا الجوائز». وترى أن «الفن ليس مجرد وسيلة للتسلية، بل ثقافة حقيقية، ويمكن من خلاله أن نؤثر ونغيّر الكثير».

شغف وحب

وحين تُسأل منى واصف عن العمل أو الشخصية الأقرب إلى قلبها، ترفض أن تختزل مسيرتها في دور واحد: «لا يمكن أن أقول إن هناك عملاً أفضل من آخر. مشاركتي في أي عمل تقوم على حبي له وللدور الذي أجسده، وأحب جميع الشخصيات التي جسدتها وآمنت بها.

وأعتقد أن شغفي بأعمالي كان أحد أسباب استمراري كل هذه السنوات الطويلة»، وفي هذا السياق، تستعين بتشبيه من عالم القراءة: «الأمر يشبه أن تقرأ كتباً كثيرة ثم يُطلب منك أن تقول إن كتاباً واحداً فقط أثّر فيك؛ كل الكتب التي قرأتها أثّرت فيّ». لكنها تقرّ بأن «هناك أعمالاً أحبها الجمهور وحققت صدى كبيراً، وأخرى كانت جيدة لكنها لم تنتشر بالمستوى المطلوب».

وتطرقت إلى واقع الدراما العربية، حيث لا تُغْفِل منى واصف أثر الحروب التي شهدتها المنطقة على الإنتاج، ولا سيما السوري، لكنها ترى أن الدراما بدأت تستعيد زخمها تدريجياً، بعدما واصلت الأعمال السورية تصويرها في بلدان مختلفة.

وتقول: «نحن كممثلين سوريين نتمنى أن تستعيد الدراما ألقها، وخصوصاً أن بلدنا شهد نهضة ثقافية كبيرة، والأمر يحتاج إلى بعض الوقت حتى تعود الأمور إلى ما كانت عليه، وتعود الدراما السورية إلى حضورها ومكانتها». وتردف: «هناك عموماً أعمال جميلة وأخرى جيدة، لكنها تحتاج إلى مزيد من الاهتمام وتسليط الضوء».

طاقات شابة

وفي حديثها عن تجربتها في تدريب المواهب الشابة في دبي، تتوقف عند أهمية اكتشاف الطاقات الجديدة ومنحها الفرصة، انطلاقاً من خبرتها الطويلة في الحياة والفن، مؤكدةً أن الشغف هو الأساس في هذه المهنة، لكنه لا يكتمل من دون الصبر والعمل والثقافة. كما تولي منى واصف القراءة أهمية خاصة في تكوين الفنان، وترى أن امتلاك مكتبة والبحث في الشخصيات التي يجسدها يساهمان في تعميق أدواته وفهمه لدوره.

ولا تغفل الفنانة أهمية اللغة العربية، إذ تحرص على نصح المواهب الشابة بالتمكّن منها والاهتمام بجمالياتها، والاستماع إلى ترتيل القرآن الكريم وتجويده، باعتباره من أهم المراجع في سلامة اللغة.

ومن تجربتها مع الأجيال الجديدة، تنتقل إلى علاقاتها الإنسانية والفنية التي شكّلت جزءاً من مسيرتها، ولا سيما علاقتها بالفنان تيم حسن، الذي اختارت أن تهديه جائزتها الفخرية في مهرجان «الموريكس دور 2026». ورغم مشاركتها في أعمال عديدة مع نجوم لعبت خلالها دور الأم مثل بسام كوسا، وباسل خياط، وقصي خولي، ومعتصم النهار، فإن علاقتها بتيم حسن أخذت طابعاً مختلفاً، إذ تشير إلى أنها بدأت كصداقة وتطورت مع الوقت إلى ما تصفه بنوع من الأمومة.

وحين وصل الحديث إلى سوريا، بدت الكلمات أقل من أن تختصر كل ما تحمله لها «السنديانة الدمشقية» من انتماء وحنين ومشاعر فخر تفيض في عينيها وكأن الحديث عنها لا يُقال عابراً، بل يُروى بشيءٍ من القلب، فتقول: «سوريا تحتاج إلى قصيدةٍ لوصفها، فالكلمات لا تفيها حقّها. أنا سوريةٌ حتى العظم، ولعل أصدق ما يُقال فيها: شآم، أنتِ المجدُ الذي لم يغب».