تنطلق الفلسفة الصينية القديمة من فكرة جوهرية مفادها أن الفنان لا يبحث عن محاكاة تفاصيل الواقع بل يفتش عن روحه العميقة، ومن هذا المنطلق، تحولت اللوحات التقليدية التي عرضت، مؤخراً، في معرض أبوظبي الدولي للكتاب في نسخته الخامسة والثلاثين، إلى نصوص فلسفية دافئة تحاور عين المشاهد، حيث تدعوه مباشرة لاكتشاف ثقافة عريقة ترى في الرسم وسيلة لتطهير النفس والانسجام مع حركة الكون، ولهذا السبب، يرتكز البناء البصري في هذه المجموعة على استدعاء رموز تاريخية وميثولوجية وطبيعية، يعيد من خلالها المبدع المعاصر صياغة مخاوف الإنسان وأشواقه ضمن أبعاد وجدانية تتجاوز حدود الجغرافيا والزمن، مما يهب المتلقي العربي نافذة مباشرة للإصغاء إلى فلسفة الشرق الأقصى التي تبحث عن الطمأنينة والسلام الداخلي وسط عالم دائم الاضطراب والتحول المستمر في تفاصيله اليومية.
شخصيات تاريخية
تبدأ القراءة النقديّة للمكونات البصرية من شخصيات تاريخية وشعبية حفرت مكانها في الوجدان الصيني لقرون طويلة، حيث تبرز في المقدمة لوحة القائد التاريخي «قوان يو»، إذ تحوله اللحية الطويلة والرداء التقليدي والسلاح الهلالي من مجرد محارب قديم إلى رمز حي للوفاء والاستقامة وحفظ العهد، وبناءً على ذلك، تكتمل الدلالة بعبارة «الوفاء والاستقامة خالدَان عبر العصور» المكتوبة بخط أنيق، لتمنح القيم الأخلاقية شكلاً مرئياً ملموساً يتجاوز جفاف التوثيق التاريخي.
وفي المقابل، تعكس لوحة أخرى بملامح «تشونغ كوي» الصارمة وسيفه المشهر، الذي يجسد فكرة «الاستقامة المعنوية الجليلة» المستلهمة من فكر منسيوس، لتصبح اللوحة بمثابة درع جمالي يحمي البيوت والقلوب من الشرور المحيطة بها، وفي سياق متصل، يظهر نجم طول العمر «شو شينغ» بجبهته العالية ولحيته البيضاء، ليطرح فكرة الزمن كتدفق هادئ ومبارك، يحتفي بالصحة وتكريم كبار السن داخل الروابط العائلية المستقرة.
تعبير بصري
وينتقل البناء البصري من تشريح الملامح الإنسانية إلى فضاء الوجود الواسع عبر تقليد «شان شوي» أو «الجبل والماء»، حيث نجد مساحة رحبة للتأمل الروحي حول مكانة الكائن البشري الصغير في هذا الكون الفسيح والممتد، ولأجل ذلك، يعتمد التكوين على خطوط الجبال الحانية وحركة المياه والغيوم المتداخلة، مع ترك مساحات فارغة من الحبر (الفراغ الأبيض) لتقوم بدور أساسي في توليد شعور عميق بالسكينة والاتساع النفسي، ونتيجة لهذه الرؤية، تظهر البيوت والبشر بأحجام متناهية الصغر وسط هذا المدى، في تعبير بصري بليغ عن رغبة الذات في الاندماج بنظام الكون الأزلي، والهروب من صخب المدن واضطرابات الحياة اليومية المعاصرة بحثاً عن الصفاء الروحي المفتقد في ثنايا العصر الحديث.
إيقاع التجدد
وتكتمل هذه الجمالية من خلال الرموز النباتية التي تنقل قيم المقاومة والصمود النفسي في وجه العواصف، حيث تبرز زهرة البرقوق كعنصر تعبيري يمثل النزاهة والقدرة على التجدد، لكونها تتفتح بجرأة مدهشة وسط جليد الشتاء القاسي، معلنة حضورها كواحد من «النبلاء الأربعة» في الرسم التقليدي العريق، وهي أربعة عناصر نباتية ترمز في الفلسفة الشرقية لفضائل الإنسانية كالصمود، والنقاء، والصلابة الأخلاقية، والوقار، أمام تقلبات فصول العمر الممتد والظروف الخارجية الصعبة، ويتقاطع الحبر مع التكوين الحديث، ليفتح النص البصري على تأويلات رحبة تتصل بالنمو والانسجام الداخلي وإعادة اكتشاف الذات الإنسانية، وهكذا التقت تلك الفنون الجميلة في أبوظبي متجاوزة الحدود، لتحول التفاصيل الصينية الخاصة إلى مادة إنسانية عامة تثري الذائقة الجمالية والفكرية للمتلقي وتدعو لمتابعة هذا الحوار الفني المعاصر.