القاهرة - عبدالله حماد

كان يُعتقد أن الهاتف الذكي قد كتب الفصل الأخير في حكاية الكتاب الورقي، وأن الأجيال الجديدة التي ولدت وفي يدها شاشة لن تجد ما يغريها بالعودة إلى صفحات لا تعرف خاصية التمرير ولا الإشعارات ولا الروابط.

لكن المشهد الثقافي يقول شيئاً آخر.

فالكتاب المطبوع، رغم المنافسة الشرسة من العالم الرقمي، لا يزال يحتفظ بمكانه، بل بدأت ملامح عودة هادئة إلى الصفحات تظهر من خلال نوادي القراءة، والمكتبات المستقلة، ومعارض الكتب، والمبادرات التي تعيد تقديم القراءة باعتبارها تجربة لا مجرد وسيلة للحصول على المعلومات.

جهود إماراتية متواصلة

وفي الإمارات، تبدو هذه العودة أكثر حضوراً في ظل جهود ثقافية متواصلة جعلت من القراءة مشروعاً مجتمعياً، عبر معارض الكتب الكبرى، والمكتبات الحديثة، والمبادرات الموجهة إلى الأطفال والشباب، وفي مقدمتها «تحدي القراءة العربي»، بما يعكس رهاناً واضحاً على صناعة قارئ جديد، قادر على استخدام التكنولوجيا دون أن يفقد علاقته بالكتاب.

فهل يعود الشباب إلى الورق؟ أم أن الكتاب المطبوع يبحث فقط عن دور جديد في عالم أصبحت فيه الشاشة شريكاً دائماً في تفاصيل الحياة؟

أزمة متفاقمة

يرى الناقد الأدبي يوسف نوفل أن الكتاب الورقي يعيش أزمة حقيقية، ويصفها بأنها «أشد أزماته منذ عهد المخطوطات ثم بداية الطباعة».

ويرجع نوفل، في تصريحات لـ«البيان»، هذه الأزمة إلى أسباب متعددة، في مقدمتها «طغيان ثقافة الصورة وتنوع آلياتها في مجال التواصل الاجتماعي».

ويضيف أن ارتفاع تكاليف النشر أسهم بدوره في تعقيد المشهد، في وقت تغيرت فيه أنماط تلقي المعرفة وأصبحت البدائل الرقمية أكثر انتشاراً.

لكن نوفل لا يغلق الباب أمام عودة الكتاب، بل يرى في بعض المؤشرات الحالية ما يدعو إلى التفاؤل.

ويقول إن هناك «بصيص أمل وشعاع رجاء في أن يعود الكتاب إلى سيرته الأولى»، مستعيداً زمناً كان فيه اقتناء الكتب، ومنها المستعمل، متاحاً بأسعار زهيدة.

عودة خجولة

ويشير نوفل إلى أن العودة الحالية للكتاب لا تزال «خجلى»، لكنها تتحرك تدريجياً في مجال محدد، هو السرد.

ويستشهد في هذا السياق بما يلاحظه في تجربة حفيدته «جيداء»، معتبراً أن هذه العودة، وإن بدت محدودة، تحمل دلالة مهمة.

ويقول: «ولا بأس في ذلك، فالشمس تشرق بأول شعاع من أشعتها».

خصوصية الكتاب

في المقابل، تقول الأديبة والكاتبة مديحة عاشور إن هناك فارقاً يتجاوز الكلمات والمحتوى بين قراءة الكتاب الورقي وقراءة النص على الشاشة.

وتوضح، في تصريحات لـ«البيان»: «لا أعرف لماذا أشعر دائماً أن هناك فرقاً كبيراً بين أن أقرأ كتاباً، وأن أقرأ نصاً على شاشة. قد يكون المحتوى واحداً، والكلمات هي نفسها، والفكرة لم تتغير، لكنني حين أمسك كتاباً ورقياً أشعر أنني أمام شيء أكثر من مجرد كلمات مرتبة في صفحات.. أشعر أنني أمام رفيق».

وتضيف أنها لا تزال تجد متعة خاصة في الكتاب الورقي، قائلة: «أحب أن أمسكه بين يدي، أنظر إلى غلافه، أقلب صفحاته. أحب أن أعود إلى صفحة قرأتها بالأمس، فأجدها في مكانها، لا تحتاج إلى بحث أو تمرير أو نقرة».

وترى عاشور أن القراءة الورقية لها طقوسها التي تمنحها خصوصية مختلفة، مشيرة إلى صوت تقليب الصفحات ورائحة الورق وملمس الغلاف، إضافة إلى العلامات التي يتركها القارئ على كتابه مع مرور الوقت.

وتقول: «قد نضع خطاً تحت جملة أحببناها، أو نكتب ملاحظة صغيرة في الهامش، أو نطوي طرف صفحة لنعود إليها لاحقاً، وهكذا يصبح الكتاب شيئاً يحمل جزءاً منا».

فرصة للتوقف

وتشير عاشور إلى أن القراءة الرقمية، رغم ما تمنحه من سهولة وسرعة وإتاحة مئات الكتب في جهاز واحد، قد تبدو في كثير من الأحيان أقرب إلى الاستهلاك السريع للمعلومة.

وتقول: «نقرأ، نمرر، ننتقل إلى إشعار، ثم إلى رسالة، ثم إلى رابط آخر، وفجأة نجد أنفسنا بعيدين عن الكتاب الذي بدأناه».

وتضيف: «أما الكتاب الورقي فيمنحني إحساساً مختلفاً بالتركيز. حين أفتح كتاباً، أشعر أنني دخلت مساحة خاصة لا أريد أن يشاركني فيها شيء آخر».

وتتابع: «لا إشعارات تقطع الجملة، ولا نافذة أخرى تطلب انتباهي، ولا شاشة تحمل أمامي عشرات الاحتمالات».

وبالنسبة إليها، فإن قيمة الكتاب لا تتوقف عند النص، وإنما تمتد إلى الحالة التي يعيشها القارئ أثناء القراءة.

وتؤكد: «فالكتاب ليس فقط ما نقرأه، وإنما أيضاً ما نشعر به ونحن نقرأه».

ذاكرة القارئ

وتلفت عاشور إلى أن دراسات عديدة تناولت الفروق بين القراءة الورقية والرقمية، مع نتائج متفاوتة وفق طبيعة النص وطريقة القراءة والقارئ، فيما أشارت بعض التحليلات إلى أفضلية القراءة الورقية في بعض أنماط الفهم والاستيعاب التي تحتاج إلى تركيز عميق.

وتقول: «أنا حين أقرأ كتاباً ورقياً أشعر أنني أعيش معه. أعود إلى الصفحة التي أحببتها، أتذكر أين قرأت جملة أثرت فيّ، وأحياناً يكفي أن أرى غلاف كتاب قديم لأتذكر مرحلة كاملة من حياتي».

وتضيف: «وهنا تكمن خصوصية الكتاب الورقي. فالكتاب الإلكتروني قد يحفظ النص، أما الكتاب الورقي فيستطيع أن يحفظ ذاكرة القراءة».

وتضرب مثالاً على ذلك قائلة: «قد تحمل بين يديك كتاباً بعد سنوات، فتجد فيه أثر فنجان قهوة، أو ملاحظة كتبتها في لحظة انفعال، أو اسم شخص أهديته الكتاب ذات يوم. عندها لا تعود الصفحات مجرد صفحات، بل تصبح أرشيفاً صغيراً من حياتك».