في كتابه «المعرفة والارتياب» يأخذنا الدكتور عبدالرزاق بلعقروز في رحلة تبدأ من ذلك القلق المعرفي الذي يصيب الإنسان عندما يدرك فجأة أن رؤيته للعالم ليست سوى نتاج لما تشربه من محيطه، وهنا تحديداً تبدأ عملية تفكيك هذه الرؤية خطوة بخطوة.

ففي فصول الكتاب الأولى، يبرز نيتشه كحاضر أساسي في هذا النقاش، ليتجاوز السؤال التقليدي «كيف نعرف؟» إلى أسئلة أكثر عمقاً.. ما القيمة الحقيقية للمعرفة؟

وما القوى التي تفرض حقيقة معينة وتهمّش أخرى؟ ولماذا نريد أن نعرف أصلاً؟ وكيف تتحول المعرفة إلى أداة في يد السلطة والقيم؟

ويواصل الكتاب هذا التقصي عبر تشريح العلاقة المعقدة بين الحقيقة والتأويل، مبيناً أن الفكرة لا تأتينا أبداً «مجردة»، بل تولد محملة بلغة صياغتها وبالموقف الفكري لصاحبها، وعندما يستحضر الكاتب مقولة نيتشه الشهيرة «لا توجد حقائق، بل توجد تأويلات»، فإنه لا يحولها إلى شعار مجرد لإنكار الحقيقة، بل يدمجها في صلب تجربة القراءة.

فكل تفسير يركز على زاوية معينة ويغفل زوايا أخرى، ومن هنا يتحول الارتياب إلى «نظارة» نفحص بها البديهيات، ونراجع من خلالها تلك العادات الفكرية التي تجعلنا نسلم بالأمور بدلاً من أن نفكر فيها.

ومع الانتقال إلى الفكر الفلسفي المعاصر، يتسع النقاش ليتجاوز نيتشه نحو تساؤلات أشمل تمس اللغة، والمؤسسة، والسلطة، وكيفية صناعة المعرفة داخل المجتمع، إذ يتخفف هذا الجزء من النمطية السردية للمذاهب الفلسفية، وينتقل نحو فتح حوار حيّ بين أسئلة متداخلة، يختبر كل منها حدود الآخر.

وتتجلى القيمة الحقيقية للكتاب في ربط هذه الأفكار المجردة بحياة الإنسان اليومية؛ فالمعرفة التي تدعي الحياد قد تكون في الغالب آلية لتكريس موازين القوى القائمة، تمنح الأقوياء وحدهم سلطة تحديد ما هو «صحيح» أو «معقول».

وتلتقي فصول الكتاب عند حقيقة جوهرية، وهي أن المعرفة تفقد حيويتها إذا توقفت عن مراجعة شروطها الذاتية؛ فالارتياب المنهجي يمنح العقل مساحة نقدية لتأمل المسار الذي سلكه قبل إعلان الوصول لليقين.

ومن هنا يخرج بلعقروز من جلباب السرد التاريخي، ليتحول إلى دعوة ملتزمة بمسؤولية التفكير في الحياة اليومية، حيث يغدو السؤال جدار حماية من اليقينيات المغلقة، وتصبح مراجعة الأحكام تجسيداً لاحترام الحقيقة لا علامة عجز.

وتتبدى متانة هذا البناء في أن نيتشه لا يغادر المشهد، بل يظل حاضراً كمرجعية تطل كلما ناقش النص حدود الحقيقة أو وظيفة التأويل بفكر مغاير، وهذا الحضور يجعل الارتياب خيطاً ناظماً يشد مفاصل الأطروحة، ويمنح الكتاب وحدة موضوعية صلبة، تنقل القارئ من المتلقي السلبي إلى الشريك الفاعل في اختبار الأفكار.

أروقة الفلسفة

«إن الخطأ والمظهر لا ينتميان إلى ماهية الأشياء، فإما أن تنتمي المعرفة إلى الكينونة وعندئذ لن تكون إلا حقيقية، وإما أن تنتمي إلى الصيرورة وإلى المظهر، وعندئذ لن تكون إلا متغيرة وخاطئة».