ليست علاقة الشاعر بمن سبقه مجرد صلة بين نصين، ولا يختزل الحوار مع الشعراء الراحلين في تقليد الأوزان والقوافي أو استعادة المفردات والأساليب. هناك منطقة أكثر تعقيداً، يستدعي فيها الشاعر روح شاعر آخر، ويقيم مؤقتاً في عالمه، من دون أن يفقد صوته الخاص، وهنا تتبدى خصوصية تجربة الشاعر الإماراتي كريم معتوق.
فقد عرف الشعر العربي فن المعارضات، حيث ينظم الشاعر قصيدة على وزن وقافية قصيدة سابقة، محاكياً إياها ومختبراً قدرته على مجاراتها، غير أن تجربة معتوق تذهب أبعد؛ إذ لا يكتفي باستعادة الشكل.
وإنما ينفذ إلى روح الشخصية المستحضرة، ثم يعيد بناء عناصرها داخل نسيجه الخاص، وهنا يتحول التقمص من محاكاة إلى فعل إبداعي. ويتضح ذلك في استحضاره تجربة محمد مهدي الجواهري؛ فكريم معتوق يدخل إلى فضاء القصيدة الجواهرية بجزالة اللغة وفخامة الإيقاع والنبرة الوطنية:
أَبِي الْعِرَاقَ سَلَاماً يَا أَخَا عِلَلِي
وَازَنْتُكَ الْآنَ بَيْنَ الْفَخْرِ وَالخَجَلِ
وَكُنْتَ يَا مَوْطِنِي مِلْءَ اعْتِدَادِ فَمِي
وَكَانَ فِيكَ انْكِسَارِي فَوْقَ مُحْتَمَلِي
هنا يتحول العراق إلى مخاطَب حي، تتجاور في خطابه مشاعر الفخر والعتاب والانكسار. وعبارة «ملء اعتداد فمي» تستحضر النبرة الجواهرية في خطاب الوطن، فيتجاوز الاستدعاء الوزن والقافية إلى النبرة والمزاج الشعري. ويتقدم التقمص إلى المستوى الإنساني والتاريخي، حين يستدعي الشاعر صورة أم موسى عليه السلام:
بِي حُزْنُ ثَاكِلَةٍ طِفْلاً بمَوْلِدِهِ
كَأُمِّ مُوسَى بِهَا اصْطَكَّتْ يَدُ الْأَجَلِ
بِالْيَمِّ تُلْقِي حَشَاهَا دُونَ مَعْرِفَةٍ
بِأَنَّهَا أَنْجَبَتْ نُوراً مِنَ الرُّسُلِ
تنهض الصورة بوظيفة دلالية تتصل بالمحنة ورجاء الخلاص؛ فالحزن لا يلغي إمكان النجاة، والمأساة تفتح الطريق أمام ولادة جديدة. وفي هذا التوتر بين الجرح والشموخ يقترب النص من الحس الجواهري، لكن قيمة التقمص تظهر حين يتراجع النموذج المستحضر لتظهر شخصية معتوق، فهو لا يظل أسير الجزالة الجواهرية، بل يفتح القصيدة على المستقبل والأمل:
غَداً يُقَدِّمُ فِكْراً غَيْرَ مَا أَلِفُوا
مِنَ التَّهاوُنِ أوْ مِنْ صَحْوَةِ الْفَشَلِ
غَداً يُسَطِّرُ لَحْناً غَيْرَ مَا عَزَفُوا
مِنَ التَّبَاكِي بِجَمْرِ الشِّعْرِ والزَّجَلِ
تفتح «غداً» القصيدة على أفق جديد، وتكشف عن نفَس تأملي أكثر حداثة، ورؤية تتجاوز الماضي إلى إعادة صياغة الأمل. هنا لا يتخلى معتوق عن ذاته كي يصبح جواهرياً، بل يستعير من الجواهري طاقته ليقول ما يريد هو قوله، وتبلغ المزاوجة ذروتها في الصورة:
لَكِنَّهُ امْتَدَّ كَالْعَنْقَاءِ سَامِقَةً
وَقَامَ مِنْهَا بسِلْمٍ أَوْ بمُقْتَتَلِ
فالبيت يُقرأ لذاته بوصفه شعراً وطنياً، لا مجرد محاكاة لنص سابق. ومن هنا ينتقل كريم معتوق من المحاكاة إلى التقمص الإبداعي، حيث استحضار روح الشاعر وملامحه الفنية، ثم إعادة إنتاجها داخل نسيج جديد، مع الحفاظ على النبرة والهوية؛ فنجاح التقمص لا يقاس باختفاء الشاعر، بل بقدرته على العودة إلى ذاته بعد الرحلة.
لهذا يمكن النظر إلى التجربة بوصفها فن تقمص الأرواح الشعرية؛ إذ يدخل الشاعر عالم شاعر آخر، ثم يخرج منه بقصيدة تحمل شيئاً من روح الغائب، لكنها تحمل قبل ذلك توقيع الحاضر. وفي هذا الحوار بين الجواهري ومعتوق، لا يختفي أحدهما، بل تصبح القصيدة مساحة يلتقي فيها الماضي بالحاضر، والتأثر بالأصالة.