لا يذهب الشاعر السوري الراحل نزار قباني إلى التاريخ بوصفه أرشيفاً للأحداث، وإنما يتعامل معه باعتباره طاقة شعرية قادرة على استعادة المجد وإعادة تشكيله في وجدان القارئ؛ لذلك لا تبدو قصيدته «غرناطة» التي مطلعها:
فِي مَدْخَلِ الْحَمْرَاءِ كَانَ لِقَاؤُنَا
مَا أَطْيَبَ اللُّقْيَا بِلَا مِيعَادِ
مجرد استذكار لفردوس الأندلس المفقود، لكنها رحلة وجدانية يلتقي فيها الماضي بالحاضر، ويتداخل فيها الخاص بالجمعي، حتى يغدو اللقاء العابر مع مرشدة سياحية مدخلاً لاستحضار حضارة كاملة لا تزال تنبض في الحجر والذاكرة.
وتكشف القصيدة وعياً فنياً يتجاوز حدود الحنين التاريخي المباشر، وتتجلى براعة نزار في هذه القصيدة من خلال هندسة أسلوبية دقيقة، تقوم على وسائل فنية تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها تنطوي على أثر جمالي بالغ العمق.
وأولى هذه الوسائل التي نعرض لها في هذه العجالة ما يمكن تسميته «اقتصاد الصورة الشعرية»؛ إذ يبتعد الشاعر عن التراكيب المثقلة بالمحسنات، ويكتفي ببناء نحوي شديد البساطة يحقق اتساعاً دلالياً لافتاً. ففي قوله:
عَيْنَانِ سَوْدَاوَانِ فِي حَجَرَيْهِمَا
تَتَوَالَدُ الْأَبْعَادُ مِنْ أَبْعَادِ
لا يصف العينين بصفات متكاثرة، وإنما يجعل الأبعاد نفسها تتناسل، فتتحول الصورة من مشهد بصري محدود إلى فضاء لا نهائي من الامتداد. إن التكرار هنا لا يؤدي وظيفة موسيقية فحسب، بل يصبح أداة لتوليد المعنى، وكأن اللغة نفسها تواصل الاتساع بعد انتهاء البيت.
وتتكرر التقنية ذاتها في تصوير الخيول والرايات، حيث يبدو المشهد وكأنه يتحرك أمام المتلقي بحيوية متدفقة وبلا إسهاب وصفي. وهذا الاقتصاد التعبيري يكشف ثقة الشاعر بقدرة التركيب اللغوي على إنتاج الدلالة، أكثر من اعتماده على كثرة الألفاظ:
وَأُمَيَّةٌ رَايَاتُهَا مَرْفُوعَةٌ
وَجِيَادُهَا مَوْصُولَةٌ بِجِيَادِ
أما المحطة الثانية فتتمثل في «بلاغة الإيجاز»، وهي من أرقى مظاهر النضج الفني في القصيدة. فحين يحاور المرشدة السياحية:
«هَلْ أَنْتِ إِسْبَانِيَّةٌ؟» سَاءَلْتُهَا
قَالَتْ: «وَفِي غَرْنَاطَةٍ مِيلَادِي»
تؤدي الواو في بداية الجواب وظيفة دلالية هائلة؛ إذ تختصر جملة كاملة محذوفة، وتترك للقارئ مهمة استكمالها. وهنا تتحقق الفكرة البلاغية التي قررها الإمام عبد القاهر الجرجاني عندما يقول: «تجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتمَّ ما تكون بياناً إذا لم تُبِنْ»، بحيث يتحول الصمت إلى عنصر فاعل في صناعة البيان.
ويبلغ البناء الفني ذروته في خاتمة القصيدة عبر تقنية «التفخيم بالإبهام»؛ فبدل أن يسهب نزار في تعداد مناقب طارق بن زياد، يقدمه في صورة رجل مجهول الاسم أولاً، ثم يكشف هويته في اللحظة الأخيرة قائلاً:
عَانَقْتُ فِيهَا عِنْدَمَا وَدَّعْتُهَا
رَجُلاً يُسَمَّى «طَارِقَ بْنَ زِيَادِ»
وهكذا تتحول كلمة «رجلاً» إلى مساحة انتظار دلالي، قبل أن يجيء الاسم التاريخي محمّلاً بكل ما يختزنه الوعي العربي من معاني البطولة، فتغدو الإشارة المقتضبة أبلغ من صفحات طويلة من المديح.
وبهذه الأدوات الأسلوبية لا يكتفي نزار قباني باستحضار الأندلس، بل يعيد بناءها شعرياً من الداخل، فتغدو «غرناطة» نموذجاً لقصيدة يتعانق فيها التاريخ والبلاغة، وتتحول فيها البنية اللغوية إلى شريك أصيل في صناعة المعنى، مؤكدة أن جمال الشعر لا يكمن في وفرة القول، بل في قدرته على أن يجعل أقل الكلمات تولّد أكبر الأصداء.