في قاعات المعارض الفنية بدبي، لم تعد اللوحة أو المنحوتة نتاج رؤية فردية فحسب، بل أصبحت في كثير من الأحيان مساحة للحوار الإبداعي المشترك، تلتقي فيها الأفكار وتتقاطع التجارب لتولّد أعمالاً فنية تحمل بصمات متعددة داخل إطار بصري واحد.
وبينما يحرص كل فنان على الحفاظ على لغته التعبيرية الخاصة وهويته الجمالية المميزة، تنجح هذه التجارب التشاركية في صياغة حالة من الانسجام الخلَّاق التي تحوّل اختلاف الرؤى إلى مصدر ثراء وإلهام.
وتكشف الأعمال الفنية المشتركة التي يقدمها شباب الإمارات في عدد من المعارض والمهرجانات الفنية عن وعي متنامٍ بقيمة العمل الجماعي بوصفه ممارسة إبداعية قادرة على إنتاج تجارب أكثر عمقاً واتساعاً.
فمن استحضار الذكريات العائلية والرموز التراثية إلى تجسيد قيم التلاحم والتكاتف، تتجلى قدرة الفنانين على الموازنة بين التعبير عن ذواتهم الفردية والانخراط في رؤية جماعية متكاملة، لتغدو هذه الأعمال شاهداً على حيوية المشهد التشكيلي الإماراتي وانفتاحه على أشكال جديدة من الإبداع والحوار الفني.
تحية إجلال
تؤكد الفنانتان التشكيليتان الشقيقتان فاطمة وعائشة الكعبي، في حديثهما لـ«البيان»، أن أحدث أعمالهما الفنية المشتركة، الذي يجمع بين العمل التركيبي والفن الجداري، يأتي كتحية إجلال وتقدير لروح جدتهما الراحلة، مستلهمتين من سيرتها وقيمها الإنسانية محوراً لتقديم تجربة بصرية وتفاعلية فريدة.
وتوضح فاطمة الكعبي أن الفكرة الأساسية للعمل، الذي عُرض ضمن النسخة الرابعة عشرة من مهرجان سكة للفنون والتصميم، تنطلق من إعادة إحياء مفهوم «المجلس الإماراتي»، بوصفه عنصراً متجذراً في كل بيت إماراتي وركيزة أساسية للهوية الاجتماعية، مشيرةً إلى أن ما يميز المجلس دائماً هو وجود شخصية محورية تمثل المركز أو الشمس التي تمد الجميع بالدفء والاحتواء، وأن جدتهما الراحلة كانت تجسد هذا الدور بعطائها المستمر لعائلتها.
وتضيف الكعبي أن العمل يهدف إلى خلق مساحة تفاعلية تدعو الجمهور للجلوس والتأمل، واسترجاع ذكرياتهم مع من يحبون أو من فقدوا من ركائز عائلاتهم، لافتةً إلى أن توظيف عنصر الورود في العمل الفني المشترك يُحاكي الشغف الكبير الذي كانت تكنّه الجدة الراحلة تجاه الطبيعة.
ظل ممدود
وفي سياق متصل تشير الفنانة عائشة الكعبي إلى الرمزية العميقة لشجرة النخيل في هذا العمل، مستحضرةً كلمات جدهما المؤثرة الذي وصف زوجته بأنها كانت كالنخلة، في إشارة إلى قيمتها الشامخة وظلها الممدود، وهو ما إلى جعل النخلة عنصراً بصرياً رئيساً في الجدارية.
وحول تفاصيل العرض، تكشف الفنانتان أن العمل ينقسم إلى أربعة أجزاء رئيسة تحاكي تفاصيل المجلس، من بينها الوسائد التي تم ترتيبها لتشكل ما يشبه نهر الذكريات، مستلهمةً تفاصيل من مرح الطفولة والذكريات العفوية أثناء اللعب في منزل الجد والجدة.
ترابط وتلاحم
من جانبها، تؤكد الفنانة التشكيلية الإماراتية شوق الملا أن العمل الفني الذي اشتركت في إبداعه مع زميلتيها الفنانتين التشكيلتين آمنة السركال وعائشة السويدي، وعُرض ضمن النسخة الرابعة عشرة من مهرجان سكة للفنون والتصميم، يجسد قيم القوة والترابط والتلاحم التي تميز دولة الإمارات، مشيرةً إلى أن اختيار خامة النحاس في تنفيذ العمل يحمل دلالة تاريخية عميقة.
وتوضح أن دولة الإمارات ارتبطت تاريخياً بتجارة النحاس في بداياتها الأولى، وقبل اكتشاف النفط أو اللؤلؤ، وهي معلومة غائبة عن أذهان الكثيرين؛ منوهةً بأن العمل سعى إلى إعادة إحياء هذه الفكرة وتوثيقها فنيّاً.
وفي سياق حديثها عن تفاصيل العمل الفني، تُبيّن أنهن تعمدن إبراز كلمة «نحن» بواسطة توظيف عنصر الظل المنعكس عن المنحوتة لتظهر الكلمة متأصلة وكأنها ضلع نابع من الأرض، في إشارة رمزية تعكس القوة، والتعاضد، والعمل الجماعي المشترك، بما توحيه هذه المفاهيم من دلالات تؤكد أهمية بناء الوطن بأيدي أبنائه.