في قصائد الشاعر العراقي الراحل عبد الرزاق عبد الواحد، تبدو المطالع عتبات فنية تتكثف فيها الرؤية الجمالية والنبرة الشعورية التي تقود القصيدة بأسرها.

فالشاعر لا يندفع إلى غرضه مباشرة، بل يهيئ المتلقي نفسياً ولغوياً، ويرفع منسوب التوقع منذ البيت الأول، حتى يشعر القارئ أنه مقبل على حدث شعري استثنائي. ففي قصيدته «هذي ذرى مصر» التي مطلعها:

رَتِّلْ قَصيدَكَ كالآياتِ تَرتيلا

واجعَلْ حروفَكَ مِن ضوءٍ قَناديلا

يرسم الشاعر حالة من الإجلال والتعظيم؛ فالمطلع لا يصف مصر بقدر ما يصف الكيفية التي ينبغي أن يُقال بها الشعر عنها. وكأن القصيدة تبدأ بطقس شعائري يسبق الكلام نفسه، فلا يجوز الدخول إلى هذا الفضاء الحضاري إلا بعد التهيؤ له. وهنا تتجلى أولى أدوات الفخامة في استعمال فعلي الأمر: «رتل» و«اجعل»، وهما لا يؤديان وظيفة الطلب فحسب، بل يخلقان سلطة خطابية توحي بأن الشاعر يضع دستوراً جمالياً لإنشاد القصيدة، ويعلن أن موضوعها أجلُّ من أن يُتناول بلغة اعتيادية أو نبرة مألوفة.

ويعمّق الشاعر هذا الإحساس حين يقيم علاقة إيحائية بين الشعر والنص المقدس؛ فهو لا يقصد المماثلة بين الشعر والقرآن، وإنما يستعير من فعل الترتيل ما يحمله من معاني الخشوع، والسكينة، وجلال الأداء، ويؤكد بالمفعول المطلق «ترتيلا» هذا المعنى ويضاعف أثره الإيقاعي، وكأن المطلوب ليس مجرد إنشاد القصيدة، بل إنشادها على نحو يليق بعظمة الممدوح.

وفي البيت ذاته، يكشف الشاعر عن الطاقة التصويرية حين يصنع صورة مشرقة ثرية، يجعل كل حرف فيها قنديلاً قائماً بذاته، فيتحول الضوء من صفة للحروف إلى مادة تكوينها. ويواصل الشاعر هذا الطقس الاحتفالي، حيث تتسع دائرة التعظيم من القصيدة إلى الأرض نفسها، ويغدو تقبيلها رمزاً للدخول إلى فضاء حضاري يستوجب التبجيل:

وقبِّل الأرضَ كلَّ الأرضِ تقبيلا

فأنتَ تستقبلُ الأهرامَ والنيلا

ويجيء هذا البيت مصرَّعاً على نسق المطلع ليطيل زمن الاستهلال، وكأن الشاعر يتعمد تأخير الدخول إلى الموضوع ليمنح لحظة الافتتاح ما تستحقه من احتفاء وهيبة. ثم يبلغ الاستهلال ذروة تصاعده في قوله:

هذي ذُرى مصرَ كي تدنو لهيبتِها

أنشدْ لو اسْطَعْتَ قرآناً وإنجيلا

إذ ينتقل من الترتيل إلى الضوء، ثم إلى تقبيل الأرض، فإلى الأهرام والنيل، وأخيراً إلى استدعاء الكتابين السماويين بوصفهما رمزاً لأقصى مراتب الجلال. غير أن الشاعر لا يكتفي ببناء هذا الجو الاحتفالي، بل يختم عتبة الاستهلال بنقلة أسلوبية لافتة:

ولا تُأوِّلْ لمصرٍ أيَّ معجزةٍ

إنَّ الحقائقَ لا يقبلنَ تأويلا

ومن حقائقِ مصرٍ أنْ بتربتِها

آياتُ بدءِ السَّنا نُزِّلنَ تنزيلا

هنا ينتقل الخطاب من الإنشاء إلى التقرير، ومن الانفعال إلى اليقين؛ فلم تعد الفخامة مجرد نبرة لغوية أو صور بلاغية، وإنما وسيلة لإقناع المتلقي بأن الحديث عن مصر لا يصدر عن مبالغة شعرية، بل عن حقائق راسخة.

وهكذا يكتمل البناء الفني للاستهلال؛ إذ يجمع بين الإيقاع الجهير، وسلطة فعل الأمر، وكثافة الصورة، والتناص الديني، والتدرج التصاعدي، وتتجلى براعة عبد الرزاق عبد الواحد في تحويل المطلع إلى فضاء شعري له بناؤه ووظيفته الجمالية، حتى يغدو ظاهرة فنية قائمة بذاتها، وجزءاً أصيلاً من هندسة القصيدة ورؤيتها.