تشكّل «مخالفة التوقع» إحدى تقنيات التمهيد للقافية التي تمكّن الشاعر من استعمالها أداةً جمالية فاعلة تتجاوز في وظيفتها حدود البناء الصوتي للقصيدة، لتغدو استراتيجية دلالية تهدف إلى إعادة صياغة علاقة النص بالمتلقي. فهي تقوم في جوهرها على فتح أفق التوقعات أمام القارئ لانتظار كلمة قافية بعينها يكتمل بها المعنى، ثم مباغتته بنقض هذا التوقع وإحباطه.
ومن هذا التوتر الفني بين الانتظار والمفاجأة، تبرز الدلالة الأصلية لهذه التقنية في كونها وسيلة لتخطئة المخاطَب ومراجعته، وإيقاظ وعيه بأن المعاني الكامنة في النص الشعري تتجاوز في عمقها وبُعدها ما قد يتبادر إلى ذهنه أو يحسبه من ظنون مسبقة، ما يمنح الشاعر المبدع مرونة واسعة في توظيف هذه التقنية لتوليد إيحاءات متنوعة تخدم سياق التجربة الشعورية التي يذهب إليها.
ففي قصيدة «من عنترة إلى أبيه»، يعيد الشاعر المصري أحمد بخيت استنطاق التاريخ، متقمصاً روح الفارس المقهور عنترة بن شداد، ليوجه سهام نقده نحو الظلم الطبقي الذي كان يعانيه ذلك الشاعر الجاهلي بسبب والده، موظفاً شخصية عنترة ووالده كرمزين يختزلان الكثير من المعاني.
وفي هذا النص، يقدم بخيت مرثية للحريّة، متكئاً على فنيات توحي بأن المعنى خلف السطور أعمق مما يظن المتلقي، وتبدأ الرحلة الشعورية حين يواجه الابن أباه:
لِآخِرِ لَحْظَةٍ فِي الْعُمْرِ وَحْدِي
وَأَنْتَ وَوَجْهُكَ الْقَبَلِيُّ ضِدِّي
تُقَامِرُ بِي لِكَيْ تَبْتَاعَ عِقْداً
لِفَاطِمَةٍ وَأقْرَاطاً لِهِنْدِ
وَبِاسْمِكَ أَنْتَ وَاجَهْتُ الْمَنَايَا
وَمَا قَصَّرْتُ حِينَ رَأَيْتُ لَحْدِي
فَكُنْتُ يَدَ الْبُنُوَّةِ حِينَ تُحْيِي
وَكُنْتَ يَدَ الْأُبُوَّةِ حِينَ تُرْدِي
أَنَا مِنْ صُلْبِكَ الْعَرَبِيِّ، قُلْ لِي
أَيَغْدُو الرِّقُّ وَشْماً فَوْقَ جِلْدِي؟
عَصَبْتَ الشَّوْكَ تَاجاً فَوْقَ رَأْسِي
فَسُبْحَانَ الَّذِي أَعْطَاكَ وَرْدِي
في هذه الأبيات، يستخدم الشاعر التمهيد للقافية أداة لاستدراج المخاطب (الأب) وإجباره على الاعتراف بخطاياه، تارة عبر المواءمة: «المنايا / لحدي»، «وشماً / جلدي»، وتارة عبر المفارقة: «الشوك / وردي». إنها محاولة أخيرة من «عنترة» لاستثارة حنو الأب عبر الاستفهام والأمر، في لغة تجمع بين الرقة في التوسل والثورة في المضمون.
غير أن الذروة تكمن في البيت الأخير، حين يعلن بخيت يأس المقهور ونفاد صبره. هنا، يلجأ الشاعر إلى آلية فنية ذكية بتضمين شطر من بيت قيس بن الملوح:
تَمَتَّعْ مِنْ شَمِيمِ عَرَارِ نَجْدٍ
يضعنا هذا التضمين، وهو من التمهيد للقافية، أمام توقع محتوم بأن الشاعر سيتمم المعنى على نسق «مجنون ليلى» برد العجز على الصدر، وتكرار لفظة «نجد» أو ما يماثلها لتستقيم القافية. لكن الشاعر يباغت الذهن بكسر هذا التوقع، معطلاً مساره التقليدي، ليطلق صرخته المدوية:
فَمِنْ بَعْدِ الْعَشِيَّةِ لَيْسَ يُجْدِي!
إن اختيار هذه القافية ليس عشوائياً، لكنه فعل «مخالفة توقع» مقصود، جاء ليعطل التوقعات المسبقة لدى المتلقي، عبر آلية «حصر الاختيارات» التي تجعل من سياق النص حكماً نهائياً؛ فالوقت انتهى، والظلم لا يُحتمل، وما كان يظنه الأب من استكانة الابن وبقائه في أغلال العبودية ليس إلا وهماً خاب.
بهذا، يحوّل بخيت تقنية التوقع من مجرد وسيلة جمالية إلى مطرقة أدبية، توحي بتخييب ظن المتسلط، وتعلن انتهاء زمن الخنوع، مؤكداً أن المعنى الشعري هو دوماً ذلك الكامن في المساحات التي تتجاوز ظنوننا.