في خضم الحراك الثقافي المتنامي في الإمارات، تبرز ورش الكتابة الإبداعية بوصفها فضاءً مفتوحاً لاختبار الموهبة وصقلها، ومنصةً تتقاطع فيها التجارب لتعيد صياغة علاقة الكاتب بنصّه وأدواته التعبيرية.
وبين من يرى فيها رافعة حقيقية لاكتشاف الأصوات الجديدة، ومن يتوجس من قدرتها على تكريس قوالب جاهزة، يتجدد السؤال عن مدى فاعليتها في تخريج جيل أدبي يمتلك أدواته ويعبّر عن رؤيته بوعي واستقلالية.
وفي هذا الاستطلاع، تقدّم «البيان» قراءة متعددة الزوايا لهذه التجربة، متتبعةً أثرها في تنمية الحس الإبداعي، وبناء الوعي النقدي، وقدرتها على إحداث توازن دقيق بين التوجيه والتفرد، بما يعكس حضورها المتصاعد في المشهد الثقافي الإماراتي.
فارق جوهري
ورأت الدكتورة هند المشموم، رئيس الهيئة الإدارية لاتحاد كتَّاب وأدباء الإمارات (فرع دبي)، أن ورش الكتابة الإبداعية تمثّل أداة فاعلة في اكتشاف المواهب الأدبية وصقلها، لكنها لا تغني عن الموهبة الفطرية التي تُعد الأساس لأي تجربة حقيقية، مؤكدة أن الإبداع لا يكتمل إلا بتكامل الموهبة مع أدوات نقدية ومعرفية تتيحها هذه الورش، ما يسهم في توجيه الكاتب نحو بناء نص واعٍ ومتماسك.
وأشارت إلى أن الكتابة ليست مجرد ممارسة عفوية، بل عملية واعية تقوم على أهداف واضحة وإشكالات فكرية محددة، موضحة أن التحولات المعرفية والانفتاح الذي يعيشه الجيل الجديد أتاحا فرصاً أوسع للتعلم والتجريب، وهو ما يعزز دور الورش في مواكبة هذه المتغيرات وتطوير أدوات الكتّاب.
ومع ذلك، حذرت الدكتورة هند المشموم من أن غياب المعايير، خاصة لدى بعض دور النشر التجارية، قد يحد من أثر هذه الورش إذا لم يُدعَم المبدعون بتوجيه حقيقي يركز على الجودة، لا مجرد النشر.
مرحلة ضرورية
وأكد الشاعر الدكتور جابر الخلصان الدور الجوهري الذي تنهض الورش التدريبية المخصصة للكتَّاب في صقل الموهبة وتنمية المهارات الأدبية، موضحاً أنها تمثل مرحلة الصقل الضرورية لأي كاتب يسعى للتميز، وأن الشخص قد لا يدرك كامل إمكاناته في البداية، إلا أن هذه المنصات التدريبية تتيح له اكتشاف ذاته وما يمتلكه من قدرات كامنة.
ولفت الدكتور الخلصان إلى أن الورش تسهم في بناء مجتمع أدبي متكامل، يسمح للكاتب برؤية مكانه الحقيقي بين أقرانه، مضيفاً أن هذا الاحتكاك الأدبي يولّد رغبة في التطور، حيث يتعلم الكاتب كيف ينمّي نقاط قوته ويعالج نقاط القصور من خلال المقارنة الإيجابية مع تجارب الآخرين.
وشدد الدكتور جابر على أن الورش التدريبية تمنح الكاتب حوافز بنائية قوية، معتبراً أن هذه الحوافز تأتي مكملة للمؤهلات الأولية التي يجب أن يمتلكها المبدع، مثل: القدرة الفطرية على الكتابة، والثراء في المخيلة والاتساع في الأفق الفكري، مؤكداً أن الورش بصفة عامة تعطي الكاتب حوافز بنائية مسبوقة بالمهارات الأولية والقدرات الخيالية والفكرية التي يمتلكها.
امتداد حيوي
وتناول الإعلامي أحمد لوتاه الدور الذي تؤديه الجلسات الحوارية والندوات الثقافية عموماً في رفد الوعي المجتمعي، معتبراً إياها امتداداً حيوياً للإعلام التقليدي الذي يستقي منه الإنسان معارفه ويستزيد من علومه.
وأشاد بجهود اتحاد كتَّاب وأدباء الإمارات في دعم الشباب عبر مبادرات متنوعة توظف الإعلام ومنصات التواصل والمهرجانات الثقافية، موفّرةً دعماً معنوياً ونفسياً ومادياً يسهم في إعداد جيل مثقف من الأدباء.
وأوضح أن متطلبات العصر تفرض تقديم «المعلومة السريعة» بأساليب مكثفة تواكب تغير سلوك المتلقي، مشيراً إلى نجاح المبادرات الحديثة في اختصار زمن التعلم عبر جلسات مركزة. كما شدد على أهمية تأسيس موهبة الكاتب على قواعد راسخة، باعتبار الكتابة رحلة لتطوير الذات قبل نقل الثقافة للآخرين.
ونوّه بدور المؤسسات الثقافية في إبراز الكاتب الإماراتي عالمياً بصورة تحترم القيم المجتمعية، مؤكداً أن هذه الجهود تمثل «غرساً طيباً» يثمر إبداعاً متجدداً، مع التطلع إلى استمرار الزخم الثقافي في تأهيل جيل واعٍ قادر على مواصلة المسيرة.
منصة انطلاق
ورأت هنادي العنيس، المنسق الإداري لاتحاد كتَّاب وأدباء الإمارات (فرع دبي)، أن ورش الكتابة الإبداعية تشكّل منصة انطلاق مهمة للكاتب المبتدئ؛ إذ تتيح له بناء شبكة علاقات تسهّل دخوله المشهد الثقافي. لكنها أكدت في المقابل أن هذه الورش لا تضمن استدامة المسيرة الأدبية؛ إذ يرتبط ذلك أساساً بقدرة الكاتب على الالتزام المستمر بالكتابة، وتطوير مشاريعه بشكل مستقل، والتفاعل الدائم مع البيئة الثقافية.
وحذرت العنيس من أن العمل الجماعي داخل الورش قد يضعف أحياناً البصمة الإبداعية، نتيجة الخضوع لتوجيهات جاهزة أو السعي لإرضاء الذائقة العامة، إضافة إلى الإفراط في تنقيح النص بما يفقده عفويته. ومع ذلك، أشارت إلى أن هذه الورش تمنح الكاتب أدوات نقدية مهمة، وتساعده على اكتشاف جوانب خفية في نصه، والتمييز بين المسودة والعمل المنقح، لتخلص في ختام حديثها إلى أن نجاح الكاتب يعتمد على وعيه في تلقي الملاحظات بوصفها وسيلة للتطوير لا قيداً على صوته الإبداعي.
تجربة واقعية
وأكدت الكاتبة حفصة الظنحاني أهمية الورش الأدبية المتخصصة في صقل مهارات الكاتب مع الحفاظ على استقلالية صوته الإبداعي، مستشهدةً بتجربتها في برنامج «خلوة الكتَّاب» الذي لم يفرض قالباً موحداً، بل شجّع التفرد.
وأوضحت أن التجربة أسهمت في تطوير أدواتها، خصوصاً في كتابة القصة القصيرة، من خلال التركيز على بناء الحبكة، ورسم الشخصيات، وتوظيف الزمان والمكان بأسلوب ناضج، إلى جانب إثراء حصيلتها اللغوية.
وأضافت أن الأنشطة التفاعلية دفعتها إلى تبني أساليب جديدة بعيدة عن النمطية، مع منح كل كاتب حرية تطوير هويته السردية، ما أفضى إلى نصوص متنوعة وغنية، مشيرةً إلى أن الكتاب الجماعي «حكايا البيت»، الذي شاركت فيه بقصة «نصف إنسان»، حافظ، برغم طابعه المشترك، على خصوصية كل تجربة إبداعية، لتنجح الورشة في تحقيق التوازن بين الإطار الجماعي والتفرد الفني.