قبل أن يعتلي نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس منصة توجيه وحل الصراعات الدولية، خاصة حرب إيران، وقبل دخوله عالم السياسة، عرف ككاتب جاد ذو رؤية، ومعارض لترامب. لكن هذا الكتاب فتح أمامه باب السياسة وباب المال. 

قبل عشر سنوات، لم يكن كتاب Hillbilly Elegy  سوى سيرة ذاتية لمؤلف أمريكي صاعد يتناول فيها معاناة الطبقة العاملة في الولايات المتحدة. واليوم، أصبح هذا الكتاب وحده يدر ملايين الدولارات سنوياً على مؤلفه جي دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، ليضعه بين أكثر المؤلفين تحقيقاً للدخل في الولايات المتحدة، في ظاهرة لا تتكرر إلا مع عدد محدود من الكتّاب العالميين المبدعين.

وكشف الإقرار المالي السنوي لنائب الرئيس الأمريكي أن إجمالي دخله خلال العام الماضي بلغ نحو 7.4 ملايين دولار، جاء الجزء الأكبر منه من حقوق نشر كتابه الشهير، إلى جانب استثمارات في العقارات وصناديق الاستثمار والعملات المشفرة.

وبحسب الإفصاح المالي الفيدرالي الصادر الثلاثاء، حقق فانس ما بين مليون و5 ملايين دولار من حقوق نشر كتابه خلال عام واحد فقط، رغم مرور نحو عقد على صدوره، وهو ما يجعله من المؤلفين القلائل الذين لا يزال كتاب واحد يمثل المصدر الرئيسي لثروتهم.

ويُعد هذا النموذج أقرب إلى ما حققته الكاتبة البريطانية جي كي رولينغ  مع سلسلة هاري بوتر، التي واصلت تحقيق إيرادات ضخمة لسنوات طويلة بعد صدورها، وإن كانت رولينغ تتفوق بفارق كبير في حجم الثروة والإيرادات العالمية.

ولا تكمن خصوصية تجربة فانس في العائدات المالية فقط، بل في أن نجاح كتابه تحول إلى نقطة انطلاق لمسيرته السياسية.

فبعد النجاح الاستثنائي الذي حققه كتابه " Hillbilly Elegy  "وتحويله إلى فيلم سينمائي عام 2020، أصبح فانس أحد أبرز الوجوه المحافظة في الولايات المتحدة، قبل أن يشق طريقه إلى مجلس الشيوخ، ثم إلى منصب نائب الرئيس الأمريكي، في مسار استثنائي جمع بين التأليف والسياسة.

وكتاب «هيلبيلي إيليجي» مذكرات شخصية كتبها جاي دي فانس عام 2016 بعنوان كامل تقريباً: مرثية الهيلبيلي: مذكرات عائلة وثقافة في أزمة. وكلمة Hillbilly تشير في الاستخدام الأمريكي إلى سكان المناطق الجبلية الريفية الفقيرة، وغالباً تحمل إيحاءً طبقياً أو ساخراً؛ أما Elegy فتعني «مرثية». لذلك يمكن ترجمة الفكرة لا العنوان حرفياً بـ: «مرثية أبناء الجبال البيض الفقراء».

الكتاب يروي صعود فانس من طفولة مضطربة في ميدلتاون بولاية أوهايو، داخل عائلة جذورها من كنتاكي وأبلاشيا، إلى الخدمة في المارينز ثم جامعة أوهايو ثم كلية الحقوق في ييل. محوره الشخصي هو الفقر، إدمان الأم، العنف الأسري، ودور الجدة «ماماو» في إنقاذه تقريباً من المصير نفسه.

أهمية الكتاب أنه صدر في لحظة صعود ترامب عام 2016، فقرأته النخب الأمريكية بوصفه «مفتاحاً» لفهم غضب الطبقة البيضاء العاملة في ولايات الحزام الصناعي والريف الأمريكي. لذلك لم يبق كتاب سيرة، بل تحوّل إلى وثيقة سياسية ساعدت في صناعة صورة فانس كصوتٍ قادم من «أمريكا المنسية» وفق وصف مجلة تايم.

محفظة استثمارية

إلى جانب عائدات الكتاب، كشف التقرير عن امتلاك فانس محفظة استثمارية متنوعة تضم أصولاً من عملة بتكوين  تتراوح قيمتها بين 250 ألفاً و500 ألف دولار، فضلاً عن عدة عقارات، من بينها عقار مؤجر في العاصمة واشنطن  يدر دخلاً سنوياً يصل إلى 50 ألف دولار.

كما استثمر ما يصل إلى 2.6  مليون دولار في صناديق المؤشرات والمحافظ الاستثمارية، إلى جانب حصوله على دخل يقارب مليون دولار من شركة رأس المال الجريء Narya Capital Management، إضافة إلى بيع حصة استثمارية بقيمة تصل إلى 250  ألف دولار في صندوق مرتبط برجل الأعمال ستيف كيس.

قفزة لافتة

ويمثل هذا الدخل قفزة كبيرة مقارنة بالإقرار المالي السابق، الذي تراوح فيه دخل فانس بين 212 ألف دولار و1.3 مليون دولار، ما يعكس استمرار كتابه في تحقيق إيرادات مرتفعة إلى جانب نمو استثماراته الخاصة.

ورغم أن راتبه الرسمي كنائب للرئيس يبلغ 235,100 دولار سنوياً، ويرتفع هذا العام إلى 292,300 دولار، فإن هذا المبلغ يمثل جزءاً محدوداً من دخله الإجمالي، الذي يعتمد بصورة رئيسية على حقوق النشر والاستثمارات.

ظاهرة نادرة

ورغم أن فانس لا يُعد من أغنى كتّاب العالم، فإن قصته تبقى استثنائية، إذ نجح كتاب واحد في أن يغير حياته مرتين: الأولى عندما منحه ملايين الدولارات، والثانية عندما فتح أمامه أبواب السياسة وصولاً إلى ثاني أعلى منصب في الولايات المتحدة.

وفي عالم النشر، لا ينجح في تحقيق هذا الإنجاز سوى عدد محدود من المؤلفين الذين تظل كتبهم تحقق عائدات ضخمة بعد سنوات طويلة من إصدارها، وهو ما يضع فانس ضمن أبرز المؤلفين الأمريكيين من حيث الدخل السنوي المستمر من كتاب واحد.