من رحم الإيمان بأن المتاحف ليست مجرد جدران صامتة، بل حاضنة حية للذاكرة الوطنية، وسجل يوثق مسيرة المجتمع وتطوره عبر الزمن، وُلدت فكرة «دليل متاحف دولة الإمارات العربية المتحدة»؛ ذلك المشروع الوطني الذي جاء ليلبي حاجة ملحَّة في المشهد الثقافي الإماراتي، بهدف إيجاد مرجع وطني موحَّد يجمع المتاحف الحكومية تحت مظلة إصدار واحد يوثق تاريخها، ومقتنياتها، وأدوارها المعرفية.

لطيفة السويدي

وتروي الباحثة الإماراتية لطيفة ساحوه السويدي لـ«البيان» كيف جاءت فكرة الدليل بالتزامن مع حراك متحفي إماراتي لافت وحضور دولي متنامٍ، تجسَّد في استضافة دبي مؤتمر «آيكوم دبي 2025»، والاحتفاء السنوي باليوم العالمي للمتاحف.

الأمر الذي جعل من إصدار الدليل خطوة استراتيجية لإبراز مكانة المتاحف الإماراتية ودورها في تعزيز الحوار الثقافي ونقل المعرفة بين الأجيال، منوهةً بأن الدليل ينسجم تماماً مع رؤية الدولة الطموحة في الاستثمار في الثقافة والمعرفة.

وتؤكد لطيفة السويدي أن هذا المشروع الثقافي الوطني جاء ثمرة جهود مشتركة ومتميزة لمجموعة من الباحثين والمتخصصين في مجال التراث الثقافي؛ وهم إلى جانبها: الشيخة عائشة القاسمي، والشيخة شيخة القاسمي، وعلي ديماس السويدي.

حيث سعى الفريق إلى توثيق هذا القطاع الحيوي وإبراز دوره في حفظ التراث ونقله للأجيال القادمة، تماشياً مع الاهتمام الكبير الذي توليه دولة الإمارات للثقافة والتراث.

وتثمن السويدي عالياً الدعم الكبير الذي حظي به المشروع من وزارة الثقافة عبر «البرنامج الوطني لمنح الثقافة والإبداع 2025»، مؤكدةً أن هذا الدعم كان له الأثر الأكبر في تحويل الفكرة إلى مشروع وطني متكامل نُفذ وفق منهجية علمية ومعايير مهنية رفيعة، ويعكس حرص الوزارة على تمكين المبادرات التي تسهم في تعزيز الهوية الثقافية وإثراء المحتوى المعرفي.

متحف المستقبل.. قصص وابتكارات تروي حكايات تميز دبي ونهجها الحضاري الاستشرافي |

وعن رحلة البحث والتوثيق، تعرب السويدي عن إعجاب الفريق البحثي بحجم التنوع والثراء اللذين تتمتع بهما المتاحف الإماراتية من حيث التخصصات والمقتنيات، مستعرضةً ملامح تطور الحركة المتحفية في الدولة منذ تأسيس «متحف العين» كأول متحف إماراتي.

وصولاً إلى المتاحف الحديثة والمتخصصة ذات الحضور العالمي، مثل «متحف المستقبل»، و«متحف الاتحاد»، و«متحف اللوفر أبوظبي»، و«متحف زايد الوطني»، و«متحف التاريخ الطبيعي أبوظبي»، و«متحف جوجنهايم أبوظبي» المرتقب.

وحول الآلية المتبعة في إعداد الدليل، تبيّن الباحثة أن العمل اعتمد على منهجية توثيق علمية موحّدة شملت تصميم استمارة شاملة وُزعت على أكثر من 20 جهة ثقافية ومتحفية في مختلف إمارات الدولة، مضيفةً أنه جرى التحقق من البيانات بدقة عبر المصادر الرسمية والتواصل المباشر.

وعن التحديات، توضح أن الصعوبة الكبرى تمثلت في توحيد البيانات الواردة من جهات متعددة وتحديثها باستمرار، مشيدةً بالتعاون الكبير والبنّاء الذي أبدته المؤسسات الثقافية والمتحفية لتجاوز هذه العقبات وإنجاز هذا العمل المتكامل.

مرجع شامل

وفي ختام حديثها، تؤكد السويدي أن صدور الدليل باللغتين العربية والإنجليزية يجعله مرجعاً شاملاً ومتاحاً للباحثين والطلبة والزوار من داخل الدولة وخارجها، ما يسهم في دعم القطاعين الثقافي والسياحي.

معربةً عن تطلعها إلى أن يشكّل الدليل مرجعاً وطنياً مستداماً يتم تحديثه دورياً لمواكبة النمو المستمر للقطاع، وأن يستمر في أداء رسالته كأداة داعمة للتعلم والحوار الثقافي، وتوثيق قصة المتاحف الإماراتية وإنجازاتها، بما يرسخ الثقافة والتراث كركيزة أساسية للتنمية المستدامة في دولة الإمارات.